المراجعات - شرف الدين الموسوي، السيد عبد الحسين - الصفحة ٥٣٣
للأمن عليهم من الضلال، فكيف يمكن أن يكون سببا للفتنة بقدح المنافقين؟ و إذا كان خائفا من المنافقين أن يقدحوا في صحة ذلك الكتاب، فلما ذا بذر لهم بذرة القدح حيث عارض و مانع و قال: هجر.
و أما قولهم في تفسير قوله: حسبنا كتاب اللّه أنه تعالى قال: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [١] و قال عزّ من قائل: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [٢] فغير صحيح، لأن الآيتين لا تفيدان الأمن من الضلال، و لا تضمنان الهداية للناس، فكيف يجوز ترك السعي في ذلك الكتاب اعتمادا عليهما؟ و لو كان وجود القرآن العزيز موجبا للأمن من الضلال، لما وقع في هذه الامة من الضلال و التفرق ما لا يرجى زواله [٣].
و قالوا في الجواب الأخير: إن عمر لم يفهم من الحديث أن ذلك الكتاب سيكون سببا لحفظ كل فرد من امته من الضلال، و إنما فهم أن سيكون سببا لعدم اجتماعهم- بعد كتابته- على الضلال، قالوا: و قد علم رضى اللّه عنه أن اجتماعهم على الضلال مما لا يكون أبدا، كتب ذلك الكتاب أو لم يكتب، و لهذا عارض يومئذ تلك المعارضة.
[١] الأنعام: ٣٨.
[٢] المائدة: ٣.
[٣] و أنت- نصر اللّه بك الحق- تعلم أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لم يقل: «إن مرادي أن أكتب الأحكام»، حتى يقال في جوابه: حسبنا في فهمها كتاب اللّه تعالى، و لو فرض أن مراده كان كتابة الأحكام، فلعل النص عليها منه كان سببا للأمن من الضلال، فلا وجه لترك السعي في ذلك النص اكتفاء بالقرآن، بل لو لم يمكن لذلك الكتاب إلّا الأمن من الضلال بمجرده لما صح تركه و الإعراض عنه اعتمادا على أن كتاب اللّه جامع لكل شيء، و أنت تعلم اضطرار الامة إلى السّنة المقدسة و عدم استغنائها عنها بكتاب اللّه تعالى و إن كان جامعا مانعا، لأن الاستنباط منه غير مقدور لكل أحد، و لو كان الكتاب مغنيا عن بيان الرسول ما أمره اللّه تعالى ببيانه للناس، إذ قال عز من قائل: وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ.
(منه قدّس سرّه).