موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٨٢
فلم يرد بها المولى سبحانه وتعالى ، غير تربية النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)لصحابته ، على مبدأ الشورى فيما يتعلق بالمسائل الحياتيّة التي تعترضهم ، فلا ينصرف معنى الشورى والتشاور ، إلى ما يتعلق بأحكام الدين وتفاصيل الشريعة ; لذلك فان مقصد الآيتين في هذا الإطار ، ليس احتياج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أخذ آراء المحيطين به ، بقدر ما كان يراد به تربية الصحابة ومن سيأتي بعدهم على العمل بذلك المبدأ ، لأنّ علاقة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالوحي ، لا تترك له مجالا حتى يحتاج إلى أحد يعطيه رأيه في مسألة من المسائل العرضية .
أمّا ما حيك من روايات تُخطّىء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وترجّح آراء بعض أصحابه عليه ، كرواية أسرى بدر[١] ، فمردود من ناحية كون النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) معصوماً عن الخطأ ، ويجب أن يكون دوره دائماً ، هو المصحّح وليس العكس ، مضافاً لصريح القرآن الدال على وجوب طاعة النبي مطلقاً .
بعد هذه الحقائق المتتابعة ، هل يصحّ لنا أنْ نقول بأنّ ما أقدم على فعله هؤلاء الصحابة ، يعتبر شورى مستقاة من الدين الحنيف ، وليست ستاراً وهمياً أريد به الاستيلاء على السلطة؟
أنا لم أجد مسوّغاً واحداً يؤيّد نسبة ما وقع إلى شورى مرجعها الدين الإسلاميّ ; لأنّها في واقع الأمر مجموعة من الأعمال المتناقضة التي هدّمت بعضها
[١] وحاصل الرواية أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) استشار أبو بكر وعمر في شأن أسارى بدر ، فقال أبو بكر : "يا نبيّ الله ، هم بنو العمّ والعشيرة . أرى أنْ تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوّة على الكافر ، فعسى الله أنْ يهديهم للإسلام" أمّا عمر فرفض ذلك وقال : "ما أرى الذي رأى أبو بكر ، ولكنّي أرى أنْ تمكّنا فنضرب أعناقهم..." فهوى رسول الله(صلى الله عليه وآله) ما قال أبو بكر ولم يهو ما قال عمر ، لكنّ الله سبحانه وتعالى خالف الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ووافق عمر فنزلت الآية : "ما كان لنبيّ أنْ يكون له أسرى حتّى يثخن في الارض.." [الأنفال : ٦٧ ]واُنظر ما تقدّم في صحيح مسلم ٥ : ١٥٧ ، مسند أحمد ١ : ٣١ ، سنن الترمذي ٤ : ٣٣٦ ، وقد رواه مختصراً ، واُنظر عمدة القاري ٤ : ١٤٤ حيث أشار الى القصّة باعتبارها من موافقات عمر .