موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٧٧
إحدى الحقائق التي قفزت إلى فكري ، جاءت نتيجة مقارنة بين موقفين وقفهما مؤسّس الانقلاب على إمامة عليّ(عليه السلام) ، ألا وهو الخليفة عمر بن الخطاب ، ففي غزوة أحد فرّ الرجل مع من فرّ من الصحابة[١] عندما اعتقدوا بمقتل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، لمّا راجت إشاعات أكدت ذلك ، ففي تلك اللحظة وفي ذلك اليوم صدّق عمر أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد قتل ، وكان من ضمن الفارّين ، واقفاً على صخرة في أعلى الجبل يدرأ عن نفسه غيلة القتل . وعقيدته بأنّ النبيّ بشر يمكن موته وقتله ، هي التي كانت الدافع وراء فراره في محاولة منه للنجاة بنفسه .
والموقف الثاني ، عندما بلغته وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فما كان منه إلاّ أنْ سلّ سيفه ، ووقف أمام الوافدين على بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، لاستجلاء الخبر ، وإظهار الفجيعة والحزن ، قال : والله! ما مات رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ; ولا يموت ، حتّى يقطع أيدي أناس من المنافقين كثير ، وأرجلهم ، فقام أبو بكر فصعد المنبر فقال : من كان يعبد الله فإنّ الله حيّ لم يمت ، ومن كان يعبد محمّداً فإنّ محمّداً قد مات {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ }[٢] قال عمر : فَلَكأنّي لم أقرأها إلاّ يومئذ"[٣] .
فلم يهدأ الرجل من تهديده ، ولا انقطع وعيده ، ولا سكنت دعايته الغريبة والعجيبة ، إلاّ عندما أقبل صاحبه ابن أبي قحافة من خارج المدينة ، وقال كلمته التي أعادت لعمر رشده ، وأطلعته على حقيقة موت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .
وبالاطلاع على الموقفين لعمر تبيّن لي تناقضهما ; لأنّ موقف قبول مقتله
[١] اُنظر فرار عمر في تفسير الفخر الرازي مجلد ٣ ، ح٩ : ٥٠ ، وشرح نهج البلاغة ١٥ : ٢٤ ، عن الواقدي ، وغير ذلك من المصادر العديدة . [٢] آل عمران (٣) : ١٤٤ . [٣] اُنظر سنن ابن ماجة ١ : ٥٢٠ .