موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٧٨
على أيدي المشركين ، وتسليمه بذلك ، وفراره عند سماعه لذلك النبأ ، يختلف تمام الاختلاف مع ما صدر منه عند سماعه لنباء وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتحقّقه من تلك الوفاة بقدومه إلى بيت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإشهاره السيف أمامه .
فهمت قطعاً ، وفهم كلّ عاقل مرّت عليه هذه الاستنتاجات ، أنّ عمر كان يدرك جيّداً وقوع الموت على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى كلّ الناس ، ولشدّة إدراكه لموت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، جاء هروبه ، ووقع فراره من أحد لمجرد إشاعة تناهت إلى أسماعه ، مع أنّه قد يكون من الذين تحدّث عنهم الحلبي الشافعي في سيرته المعروفة بالسيرة الحلبية ، حيث ذكر أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يناديهم : إليّ يا فلان إليّ يا فلان ، أنا رسول الله ، فما يعرج إليه أحد"[١] . ولم يكن موقفه يوم وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) نابعاً من عقيدة تخلّلت عقله ، وغيّرت من اعتقاده ، وإنّما جاءت تنفيذاً لمخطّط يقضي بحصر نبأ وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، حتّى لا ينتشر ، فتمتلىء المدينة بالوافدين ; فيكون ذلك عائقاً دون تنفيذ مخطّط الانقلاب على منصب الحكومة الإسلاميّة .
الحقيقة الأخرى التي أطلّت عليّ ، ولم أتبيّنها إلاّ فيما بعد هي حركة التمرّد على تأمير النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لأسامة بن زيد ، فمن يكونوا هؤلاء ؟ ولماذا ذلك الطعن؟ وهل هو متعلق بشخص أسامة فقط ، أم يتجاوزه إلى أشياء أخرى؟
فقد ذكر المؤرّخون وأصحاب السير ، أنّ عمر ذهب إلى أبي بكر بعد أنْ تمّ له أمر الحكومة ، وعبّر له عن رغبته في تغيير القائد أسامة ابن زيد ، وتكلّم على أساس أنّه مفوّض من قبل عدد من الصحابة ، فردّ عليه قائلا : "ثكلتك أمّك يابن الخطّاب ، مستعمله رسول الله وتأمرني أنْ أعزله"[٢] . فلو كان ابن الخطاب يدرك معنى النبوّة والنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وقدسيّته وطاعته حيّا وميّتا لدافع عن ذلك التعيين ، ولما احتاج منه الأمر إلى طلب تغيير قائد عيّنه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولكن ماذا يمكن أن
[١] السيرة الحلبية ٢ : ٥٠٥ . [٢] تاريخ الطبري ٢ : ٤٦٢ ، الكامل في التاريخ ٢ : ٣٣٥ ، تاريخ دمشق ٢ : ٥٠ .