موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٧٦
ولمّا لم يذكر المؤرخون لذلك الاستثناء أصلا ، وظهر ما يدعو إلى القول بافتعال أبي بكر ومن كان معه الصلاة بالناس ، لبلوغ غاية ما ، فقد ظهرت بعض الروايات تنوء بتحريف عجيب ، وتحكي حالة فريدة من نوعها في صلاة الجماعة ، في محاولة للتعمية على حقيقة تنحية أبي بكر عن إمامة الصلاة ، فقالوا : صلّى أبو بكر مقتدياً بالنبيّ ، وصلى الناس مؤتمين بأبي بكر[١] ، فلم أتقبل رواية الصلاة بإمامين ، كما لم يقبل عقلي أن يقتدي الناس بأبي بكر ، ويتركون النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، في حين أنّ الحقيقة المطموسة تقول : لقد وقعت تنحية أبي بكر عن إمامة الصلاة بالناس ، في وقت ظنّ هو وجماعته أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، لم يعد باستطاعته أنْ يستفيق من إغمائه ، ولا أنْ يعي بما يدور حوله ، فيكون ذلك التقديم وتلك الإمامة ، مبرراً على طريق استلام الحكم ، وحجّة تمكنه من الادّعاء بأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أمره بالصلاة بالناس .
كما ظهر من خلال تتبّعي لسيرة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في تعامله مع إمامة الصلاة ، أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يكن يُعيّن أحداً يُصلّي بالناس في غيابه ، وقد كانت كلمته دائما : "مروا مَنْ يُصلّي بالناس"[٢] وذلك بناء على قاعدة الأعلميّة والتفقّه ، وليس على القاعدة التي اعتمدها أهل الجاهليّة في تنصيب زعمائهم ، وهي اعتبار كبر السن والمكانة الاجتماعيّة والماليّة ، مع أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)في حياته الشريفة كان ملتفتاً إلى مسألة الإمارة في غيبته عن المدينة ، فأهميّتها كمنصب حسّاس وخطير ، كانت تحتّم عليه تنصيب من يخلفه عليها في غزواته وسفراته ، فعيّن فيمن عيّن عليّاً ، ولم يعيّن أحداً من الذين تولّوا الحكم قبله ، وذلك يدلّ على استحقاقه للإمارة قبل هؤلاء جميعاً .
[١] صحيح البخاري ١ : ١٦٢ ، سنن ابن ماجة ١ : ٣٩١ . [٢] اُنظر مسند أحمد ٤ : ٣٢٢ ، لكن كالعادة فإن الرواية طعمت بما يخالف ذلك فصورت استياء شديد من النبي(صلى الله عليه وآله) لعدم صلاة أبي بكر بالناس! فلا ندرى لماذا يعمم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)القول فيمن يؤم الناس ، ثم يستاء ذلك الاستياء الشديد لعدم صلاة ابي بكر .