موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٥٢١
قلت: فلنرجع إلى الآيتين، أي اللتين ذكرتهما لننظر أيّهما هي: التكوينيّة أم التشريعيّة، أمّا بالنسبة للمراد من الإرادة في قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ . . . }[١]الخ، فالإرادة هنا تكوينيّة لا تشريعيّة، فإنّ الله يريد انْ يكون أهل البيت مطهّرون من الذنوب والرجس، ليصبحوا معصومين ماداموا هم القدوة للبشريّة جميعاً، أمّا ما قلتم بأنّ الله قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ}، فهذه الصيغة للاستقبال لا تدل على الوقوع، فهذا غير وارد في حقّه تعالى، لأنّ قوله: إنّما أريد أن أفعل، يختلف عن قولي وقولك: إنّما نريد أنْ نفعل ; لأنّه يمكننا إرادة الفعل، ولكن لا يتحقّق الفعل لعجزنا عن الفعل، نظراً لوجود العراقيل التي تمنع عن الفعل، أو للغو في الكلام فقط أو الانسحاب عمّا كنّا نريده لسوء خطأ في التفكير، وما إلى ذلك من أنواع الجهل، وقولوا لي أيّها الطلاب بكلّ صراحة، فهل يمكن تصوّر العجز واللغو والجهل في ساحته تعالى؟ قالوا: لا والله.
قلت: وأمّا قوله تعالى في الآية: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ}[٢]، فهنا الإرادة تشريعيّة لا تكوينيّة، لدليلين:
أولاً: هم يريدون ذلك، والله أيضاً يريده لهم منهم، كما يريد منّي الطهارة ومنك، هنا الإرادة ممكن أنْ تتحقّق، وممكن ألا تتحقّق.
ثانياً: هؤلاء طهارتهم ليست دائميّة، لذا يحتاجون إليها في كلّ آن، أي يريدون تجديدها في كلّ حين، كالاستغفار وفعل ما يقرّبهم إلى الله، لذا صرّح الله بقوله: {يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ}، أي التطهير، طلب الطهارة، بينما فيما نحن فيه قال تعالى: {وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، هنا المصدر ليس التطهر بل طهر تطهيراً، هنا الفعل للمتعدّي، أي هناك مطهِّر وهو الله، ومطهَّر وهو أهل البيت، وهذا التفسير وهو ما ينسجم مع قوله تعالى: {لَّا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ}.
[١] صحيح مسلم ٧: ١٣٠، الأحزاب (٣٣) : ٣٣. [٢] التوبة (٩) : ١٠٨.