موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ٥٢٠
لأنّها مجرّد إرادة ممكن أنْ تتحقّق ويمكن ألا تتحقّق، أنت اختلط عليك الفرق بين الإرادة التشريعيّة والإرادة التكوينيّة.
حينئذ صاح قائلاً: لا تتفلسف، الإرادة لا فرق بين تشريعيّتها وتكوينيّتها.
قلت: يا أخي، المجال واسع للمناقشة، لا تستعجل، كنت استمع إليك تأتي بأدلّتك دون أن أقطع كلامك، فعليك أيضاً أنْ تستمع إلي حتّى انتهي من كلامي، وحينئذ يمكنك قبول كلامي أو رفضه مع الأدلّة، إنّه هنا فرق بين الإرادتين، أولاً: الإرادة التكوينيّة تتحقّق بدون أيّ عائق ومانع، مثلاً: الله يريد منّي أن أكون على هذا الشكل، أسود اللون، قصير القامة، وذكر دون أنثى.. كما أراد منك هذا الشكل، هكذا فإنّه متى ما تعلّقت إرادته يتحقّق المراد كما في قوله تعالى: {إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}[١]، فلا يمكن تخلّف المراد عنن الإرادة الإلهية وإلا يلزم العجز والجهل على الله، والله سبحانه منزّه عن ذلك، فإنّه القادر على كلّ شيء، والعالم يكلّ شيء.
فهذه الإرادة التكوينيّة التي تتعلّق بالكون وما فيه من المصنوعات والمخلوقات سواء شئنا أو أبينا فإنّها تتحقّق بدون أيّ شرط ، لأنّ الإرادة هنا ذات طرف واحد لا دخل للإنسان في ذلك، أمّا الإرادة التشريعيّة فهي ليست كذلك، أي يمكن أنْ تتحقّق ويمكن ألا تتحقّق، مثلاً: الله يريد من الناس كلّهم أنْ يكونوا مؤمنين، لذا زوّدهم بالعقل، وأرسل إليهم الرسل، ولكن لا يمكن أنْ يكونوا مؤمنين كلّهم إلاّ إذا أرادوا ; لأنّه تعالى بعدما أراد ذلك منهم خيّرهم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، هذه الإرادة هي الإرادة التشريعية التي لا تتحقق إلا بطرفين: طرف من الله سبحانه، وآخر من العباد.
وقال الطلاب كلهم: "هذا على كلّ حال منطقيّ وواقعيّ".
[١] يس (٣٦) : ٨٢ .