موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ١٦
فأين الإجماع المزعوم يا عباد الله؟ على أنّه لو كان علي بن أبي طالب (عليه السلام)وحده تخلّف عن البيعة لكن ذلك كافياً للطعن في ذلك الإجماع، إذ أنّه المرشّح الوحيد للخلافة من قبل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على فرض عدم وجود النصّ المباشر عليه.
وإنّما كانت بيعة أبي بكر عن غير مشورة، بل وقعت على حين غفلة من الناس، وخصوصاً أولي الحلّ والعقد منهم، كما يسمّيهم علماء المسلمين، إذ كانوا مشغولين بتجهيز الرسول ودفنه، وقد فوجئ سكان المدينة المنكوبة بموت نبيّهم وحمل الناس على البيعة بعد ذلك قهراً[١]، كما يشعرنا بذلك تهديدهم بحرق بيت فاطمة (عليها السلام) إن لم يخرج المتخلّفون عن البيعة، فكيف يجوز لنا هذا أن نقول بأنّ البيعة كانت بالمشورة وبالإجماع، وقد شهد عمر بن الخطاب نفسه بأنّ تلك البيعة كانت فلتة وقى الله المسلمين شرّها، وقال: فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، أو قال: فمن دعا إلى مثلها فلا بيعة له ولا لمن بايعه[٢].
ويقول الإمام علي (عليه السلام) في حقها: "أمّا والله لقد تقمّصها ابن أبي قحافة، وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى، ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير"[٣].
ويقول سعد بن عبادة الأنصاري، الذي هاجم أبا بكر وعمر يوم السقيفة، وحاول بكُلّ جهوده أن يمنعهم ويبعدهم عن الخلافة، ولكنّه عجز عن مقاومتهم لأنّه كان مريضاً لا يقدر على الوقوف، وبعدما بايع الأنصار أبا بكر قال سعد:
"والله لا أُبايعكم أبداً حتّى أرميكم بكلّ سهم في كنانتي من نبل، وأخضب سناني ورمحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم بمن معي من أهلي وعشيرتي، ولا والله لو أنّ الجنّ اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتّى أعرض
[١] تاريخ الخلفاء لابن قتيبة ١: ١٨. [٢] صحيح البخاري ٤: ١٢٧. [٣] شرح نهج البلاغة لمحمّد عبده ١: ٣٤ الخطبة الشقشقية.