موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ١٤٣
اتَّقَى}[١]، وإنّ قال: لا، كان شاهداً على نفسه بكفران النعمة، والسكوت أسلم لكنه لا يحل المشكلة.
ومن هذا القبيل أيضاً أن يقول مثلاً: لو أنّني كنت في مكّة زمن البعثة النبوّية الشريفة، مع من كنت أمضي؟ مع رسول الله والأبرار، أم مع أبي جهل والوليد بن المغيرة و . . . ؟
صحيح أنّ ذلك من الغيب، ولكن هناك أمور يستشف من ورائها موقف الإنسان لا تكهناً ورجماً بالغيب، بل بناء على مؤهّلات واقعية اختيارية.
وهل نعجب عند سماع قوله تعالى: {وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}[٢]، هؤلاء رأوا العذاب الذي لا طاقة للبشر بوصفه، لكنّهم لأوّل لحظة يتمكّنون من الاختيار فيختارون متابعة الهوى، فكيف نعجب ممن يتّبع هواه ولم ير العذاب؟!
إنّ موقف الإنسان الواقعي يكشف عن موقفه الافتراضي، بمعنى أنّه من خلال مواقفه يستطيع أن يتصوّر بصورة تقريبية موقفه من رسول الله لو ولد في زمانه، فما عليه إلاّ أن يعرض سلوكه المعنوي على توجيهات وإرشادات وأوامر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويتبيّن من خلال ذلك في أيّ صفّ يكون، معه أم عليه؟
نعم، السلوك المعنوي لا العبادات التي أفرغت من محتواها فأضحت من المكّملات الشكلية!
والمقصود من ذلك أنّ الإنسان إذا كان صادقاً في معتقداته فإنّه يحوطها ويدافع عنها، ويتأذّى من كلّ ما يسيء إليها. أمّا إذا كان لا يبالي أن تُهان مقدساته فإنّة لا يكون إلاّ كاذباً في دعواه، وشواهد ذلك لا تخفى على من كان له قلب أو
[١] النجم (٥٣) : ٣٢. [٢] الأنعام (٦) : ٢٨.