موسوعة من حياة المستبصرين - مركز الأبحاث العقائدية - الصفحة ١٢٨
وأمّا حين عدم تيسّر السجود عليه والتمكّن منه، لحرارة قارصة أو لإيجاب عذر آخر، فلا وازع عندئذ من السجود على غيرها، إذ الضرورات تبيح المحظورات.
والأحاديث الواردة في الصلاة على الحصير والفحل[١] والخمرة وأمثالها تسوّغ جواز السجدة على ما ينبت من الأرض غير المأكول والملبوس.
والأنسب بالسجدة ـ التي إنّ هي إلاّ التصاغر والتذلّل تجاه عظمة المولى سبحانه ورجاء كبريائه ـ أن تتخذ الأرض لديها مسجداً يعفّر المصلّي بها خده ويرغم أنفه تذكّر الساجد لله طينة الوضيعة الخسيسة التي خلق منها، وإليها يعود، ومنها يعاد تارة أخرى، حتّى يتّعظ بها ويكون على ذكر من وضاعة أصله، لتأتى له خضوع روحي، وذلّ في الباطن، وانحطاط في النفس، واندفاع في الجوارح إلى العبودية، وتقاعس عن الترفع والأنانية، ويكون على بصيرة من أنّ المخلوق من التراب حقيق وخليق بالذلّ والمسكنة ليس إلاّ.
ولا توجد هذه الأسرار قط وقط في المنسوج من الصوف والديباج والحرير، وأمثاله من وسائل الدعة والراحة، ممّا يُري للإنسان عظمة في نفسه، وحرمة وكرامة ومقاماً لديه، ويكون له ترفعاً وتجبّراً واستعلاءً، وينسلخ عند ذلك من الخضوع والخشوع[٢].
غاية سجود الشيعة على التربة:
نستنتج ممّا ذكرناه بأنّ الغاية التي يتوخّاها الشيعة من إعدادهم التربة للسجود عليها حين الصلاة هي اتّخاذ المصلّي لنفسه تربة طاهرة طيّبة يتيّقن
[١] الفَحل: حصير يتخذ من سعف الفحل من النخيل. الصحاح ٥: ١٧٨٩ "فحل". [٢] السجود على التربة الحسينيّة عند الشيعة الإمامية، العلاّمة الشيخ عبد الحسين الاميني: ٤١ ـ ٤٣.