ربيع الأبرار و نصوص الأخبار - الزمخشري - الصفحة ٨١ - الباب الأول الأوقات و ذكر الدنيا و الآخرة
أيها الناس اتقوا اللّه، فما خلق أمرؤ عبثا فيلهو، و لا ترك سدى فيلغو [١] ، و ما دنياه التي تحسنت له بخلف من الآخرة التي قبحها سوء النظر عنده، و ما المغرور الذي ظفر من الدنيا بأعلى همته، كالآخر الذي ظفر من الآخرة بأدنى سهمته.
٢٣٤-حذيفة [٢] رضي اللّه عنه: ليس خياركم من ترك الآخرة للدنيا، و لا من ترك الدنيا للآخرة، و لكن من أخذ من هذه و هذه.
٢٣٥-سأل معاوية ضرار بن ضمرة الشيباني عن علي رضي اللّه عنه فقال: أشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، و قد أرخى الليل سدوله، و هو قائم في محرابه، قابض على لحيته، يتململ تململ السليم، و يبكي بكاء العجول [٣] ، و يقول: يا دنيا يا دنيا، إليك عني إليّ تعرضت، أم إليّ تشوقت، لا حان حينك، هيهات هيهات، غريّ غيري، لا حاجة لي فيك، قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعيشك قصير، و خطرك يسير، و أملك حقير، آه من قلة الزاد و طول الطريق، و بعد السفر و عظيم المورد.
٢٣٦-مر محمد بن واسع بقوم فقيل: هؤلاء الزهاد، فقال ما خطر الدنيا حتى يحمد من زهد فيها.
٢٣٧-لقمان: يا بني كما تنام كذلك تموت و كما تستيقظ كذلك تبعث.
[١] لغا الرجل عن الطريق: حاد عنه. و لغا في قوله: أخطأ و تكلّم عن غير رويّة و تفكّر.
[٢] حذيفة: هو حذيفة بن حسل بن جابر العبسي، أبو عبد اللّه. صحابي، من الولاة الشجعان. كان صاحب سرّ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في المنافقين. و لما ولي عمر سأله: أ في عمالي أحد من المنافقين؟فقال: نعم، واحد. قال: من هو؟قال: لا أذكره.
و حدث حذيفة بهذا الحديث بعد حين فقال: و قد عزله عمر كأنما دلّ عليه. ولاّه عمر على المدائن فتوفي فيها سنة ٣٦ هـ و له في كتب الحديث ٢٢٥ حديثا. راجع ترجمته في الإصابة و أسد الغابة و ابن عساكر ٤: ٩٣.
[٣] العجول من النساء و الإبل: الواله التي فقدت ولدها الثكلى و الجمع عجل و عجائل و معاجيل. اللسان مادة عجل.