البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٨٠
وقوله: (فتُجاملونهم) بالجيم. وفي بعض النسخ بالحاء المهملة. وكذا قوله: «وهم لا مُجاملة لهم». وكأنّ قوله: «وتصبرون عليهم» بيان للمجاملة؛ فإنّ اللّه ـ عزّ وجلّ ـ أعطى أهل الحقّ خصالاً شريفة منها المُجاملة، وهي لا تحصل إلّا بالمصابرة كما لا يخفى. (وهم لا مُجاملة لهم، ولا صبر لهم على شيء)؛ لفقدهم الفضائل وحرمانهم منها. قيل: من المعلوم أنّ بقاء المخالطة متوقّف على الصبر والمجاملة من الطرفين، أو من أحدهما، وهما لا يتصوّران فيهم لما ذكر، فوجبا عليكم؛ لأنّهما مطلوبان منكم لعلمكم بأنّ فيهما فوائد كثيرة كنجدة النفس، وإبقاء النظام، وحوالة الانتقام إلى الملك العلّام، وترقّب أجر الصبر، وتوقّع الأمن من القتل والنَهب والأسر، سيّما مع قوّة الظالم وتوقّع رقّته ورحمته بمشاهدة العجز والانكسار، ولذا صبر جميع الأنبياء والأولياء على أذى الجُهلاء والأشقياء. [١] (وحيلهم وسواس [٢] بعضهم إلى بعض) . الحيله بالكسر: الاسم من الاحتيال، وهو المكر والرويّة [٣] في الاُمور، والتصرّف فيها للتوصّل بها إلى المقصود. قال الفيروزآبادي: «الوسوسة: حديث النفس والشيطان بما لا نفع فيه ولا خير، كالوِسواس بالكسر، والاسم بالفتح، وقد وسوس له وإليه». [٤] وقيل: لعلّ المراد بقوله: «وحيلهم وسواس» إلخ، أنّ حيلتكم في دفع ضررهم المجاملة والصبر على أذاهم والتقيّة، وهم لا يقدرون على الصبر، ولا على صدّكم عن الحقّ، فليس لهم حيلة إلّا وسوسة بعضهم إلى بعض في إيذائكم والإغراء بكم. ثمّ اعلم أنّه يظهر من بعض النسخ المصحّحة اختلال نظم هذا الحديث وترتيبه في النسخ المشهورة بتقديم بعض الورقات وتأخير بعضها، وفي تلك النسخة قوله: «وحيلهم»
[١] القائل هو المحقّق المازندراني في شرحه، ج١١، ص١٧٨.[٢] في الحاشية: «الوسواس بالكسر: الوسوسة، وبالفتح: مرض يحدث من غلبة السوداء يغلط معه النفس. منه». راجع: شرح المازندراني، ج١٢، ص٤٥.[٣] الرويّة في الأمر: أن تنظر ولا تعجل. لسان العرب، ج١٤، ص٣٥٠ (روي).[٤] القاموس المحيط، ج٢، ص٢٥٧ (وسوس).