البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٥٠٨
(يُعجبهم حفظهم للرواية)؛ لظنّهم انحصار العلم به، ولا يبالون بتركهم للرعاية . (والعلماء يحزنهم تركهم للرعاية) . لعلّ المراد بالحزن بترك الرعاية شدّة الاهتمام فيها . وقيل : الحزن بتركها على ما ينبغي، فكم من فرق بين الجاهل والعالم ، حيث إنّ الجاهل مع كمال جهله وقصوره في العلم والعمل يعجبه ما ليس بعلم ولا عمل في الواقع ، والعالم مع كمال علمه وعمله وروايته ودرايته ورعايته محزون خوفاً من التقصير فيها . [١] (وكان من نبذهم الكتاب أن ولّوا [٢] ) أي جعلوا والي الكتاب والقيّم عليه والحاكم به . (الذين لا يعلمون) أي معالم الدين، على حذف المفعول، أو ليس لهم حقيقة العلم على إجرائه مجرى اللازم . وفي بعض النسخ: «ولّوه» بالضمير، وهو راجع إلى الكتاب، أو أمر الدين ، أو الخلافة المفهومين من السياق ، وبالجملة جعلوا توليته إلى الجهّال، وجعلوهم ولاة ورؤساء على أنفسهم يتّبعونهم في الفتاوى وغيرها ، وأعرضوا عن أهل الذِّكر والعلم، ونبذوا قوله تعالى : «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ» [٣] وراء ظهورهم؛ لأنّهم لا يعلمون . (فأوردوهم الهوى) أي أحضر هؤلاء الجهّال تابعيهم إلى ما يحكم به أهواؤهم النفسانيّة من العقائد الفاسدة والأعمال الكاسدة . ولعلّ الهوى إرادة النفس، وشاع استعماله في ميل النفس إلى مشتهياتها المخرجة عن الحدود الشرعيّة بل العقليّة أيضاً . (وأصدروهم إلى الرَّدى) يُقال : صدر عن الشيء يُصدُر صَدراً، إذا رجع. وأصدره، أي أرجعه . والرَّدى: الهلاك، وأصلها السقوط والكسر، يقال: رَدى في البئر ـ كرمى ـ إذا سقط فيها . (وغيّروا عُرى الدِّين) . العُرى، بالضمّ: جمع العروة، وهي من الدلو والكوز: المقبض، ومن الثوب: اُخت زرة .
[١] قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ١١ ، ص ٣٥٣ .[٢] في المتن الذي نقله الشارح رحمه الله سابقاً: «ولّوه» مع الضمير.[٣] الزمر(٣٩): ٩.