البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٥٥٠
وقوله : (إنّ أخوفَ) اسم تفضيل للمفعول كأعذر وأشهر (ما أخاف عليكم خلّتان) بفتح الخاء، أي خصلتان. قيل: هما أعظم مهالك الإنسان، فلذلك كان الخوف منهما أشدّ وأزيد، ولما كان عليه السلام والمتولّي لإصلاح حال الخلق في اُمور معاشهم ومعادهم، وكان صلاحهم منوطاً بهمّته العالية نسب الخوف عليهم إلى نفسه . [١] (اتّباع الهوى). هو في الأصل العشق، وإرادة النفس ، وقد شاع استعماله في ميل النفس ورغبتها في مستلذّاتها المتعلّقة بالدنيا . (وطول الأمل) . في القاموس: «الأمل، كجبل ونجم وشبر: الرجاء»، [٢] وشاع استعماله في تمنّى ما لا ينبغي ويضرّ بالآخرة وتذكّر الموت والتهيّئ لأسبابه . (أمّا اتّباع الهوى فيصدّ) بضمّ الصاد، أي يصرف ويمنع (عن الحقّ) ؛ وهو ظاهر . وقوله : (فيُنسي الآخرة) يحتمل كونه إفعالاً من النسأ بهمز اللام، وهو التأخير، أي يؤخّر أمر الآخرة والعمل لها . قال الجوهري : «نَسَأتُ الشيء نَسْئاً: أخّرته ، وكذلك أنسأته»؛ [٣] أو من النسيان بالكسر، وهو خلاف الذكر والحفظ . وقوله : (قد ترحّلت مُدبِرة) . الترحّل: الانتقال ، والإدبار: ضدّ الإقبال . وتحقيق ذلك ما أفاده بعض الشارحين من أنّه إشارة إلى تقضّي الأحوال الحاضرة بالنسبة إلى كلّ شخص من صحّةٍ وشباب وجاهٍ ومالٍ وكلّ ما يكون سبباً لصلاح حاله؛ فإنّ كلّ ذلك أجزاء الدُّنيا لدنوّها منه ، ولما كانت هذه الاُمور أبداً في التغيّر والتقضّي المقتضي لمفارقته لها وبُعدها عنه شيئاً فشيئاً، لا جرم حسن إطلاق اسم الترحّل والإدبار على تقضّيها وبُعدها استعارة تشبيهاً لها بالحيوان في إدبارها ، والغرض هو الحثّ على ترك الركون إليها والعكوف عليها وصرف العمر فيها . [٤]
[١] قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ١١ ، ص ٣٦٨ .[٢] القاموس المحيط ، ج ٣ ، ص ٣٣٠ (أمل) .[٣] الصحاح ، ج ١ ، ص ٧٦ (نسأ) .[٤] قاله المحقّق المازندراني رحمه اللهفي شرحه ، ج ١١ ، ص ٣٦٩ .