البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٢٩٢
وأقول: المراد بالدهاء هنا المكر والخديعة ، والحيل الباطلة ، واستعمال الرأي في تحصيل المطالب الدنيويّة والاُمور السياسيّة ، وإن كان مخالفاً للقوانين الشرعيّة.وقيل: كان هذا الكلام صدر منه هنا كالجواب لما كان يسمعه من أقوال الجاهلين بحاله، ونسبته إلى قلّة التدبّر وسوء الرأي في اُمور الدنيا ، ونسبة غيره إلى جودة الرأي وحسن التدبّر فيها ؛ لما بينهم من المشاركة في هذا العمل، فمن كان فيه أتقن وأكمل كان عندهم أحسن وأفضل، وغفلوا أنّه عليه السلام كان في جميع حركاته على القوانين الشرعيّة ، ورفض ما كان عادتهم من استعمال الدهاء في الاُمور الدنيويّة، فأفاد عليه السلام أنّ تمسّكه بزمام الورع والتقوى منعه من الدهاء، وإلّا فهو أعرف بالدهاء وطرقه وكيفيّة استعماله من غيره، ولم يكن ذلك مختصّاً به عليه السلام ، بل جاهل كلّ قوم يظنّ بعالمهم ذلك؛ لأنّ العالم ملجم بلجام التقوى ، فطَوره في معاملة الدنيا ليس طورهم . [١] وقال ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة وكان من علماء العامّة: اعلم أنّ قوماً ممّن عرف [٢] حقيقة فضل أمير المؤمنين عليه السلام زعموا أنّ عمر كان أسوس منه ، وإن كان هو أعلم من عمر، وصرّح الرئيس أبو علي سينا بذلك في الشفاء في الحكمة، وكان شيخنا أبو الحسين يميل إلى ذلك، وقد عرّض به في كتاب الغُرر، ثمّ زعم أعداؤه ومبغضوه أنّ معاوية أيضاً كان أسوس منه وأصحّ تدبيراً .وقد سبق لنا بحث قديم في هذا الكتاب في بيان حسن سياسة أمير المؤمنين عليه السلام وصحّة تدبيره، ونحن نذكر هنا ما لم نذكره هناك ممّا يليق بهذا الفضل الذي نحن في شرحه:اعلم أنّ السائس لا يتمكّن من السياسة البالغة إلّا إذا كان يعمل برأيه ، وبما يرى فيه صلاح ملكه ، وتمهيد أمره ، وتوطيد قاعدته ، سواء وافق الشريعة أم لم يوافقها، ومتى لم يعمل في السياسة والتدبير بموجب ما قلناه، فبعيد أن ينتظم أمره ويستوسق حاله. وأمير المؤمنين عليه السلام كان مقيّداً بقيود الشريعة مدفوعاً إلى اتّباعها ، ورفض ما يصلح اعتماده من آراء الحرب والكيد والتدبير إذا لم يكن للشرع موافقاً، فلم تكن قاعدته في خلافته قاعدة غيره ممّن لا يلتزم بذلك، ولسنا بهذا القول زارين على عمر بن الخطّاب ، ولا ناسبين إليه ما هو منزّه عنه، ولكنّه كان مجتهداً يعمل بالقياس
[١] قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ١١ ، ص ٢٣٩ .[٢] هذا ، وفي المصدر : «ممّن لم يعرف» .