البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ١٣٦
(أخرجه اللّه من صفة الحقّ ، ولم يجعله من أهلها). الجملة صفة أحد من الناس ، أو استئناف في جواب من يسأل عن علّة النهي . قيل : إنّما نسب الإخراج من صفة الحقّ ـ وهي القول بالولاية إلى اللّه تعالى ـ لعلمه أزلاً بعدم اتّصاف بها ، واضطراب قلبه من قبولها ، فأخرجه منها ، ولم يجعله من أهلها جبراً ؛ لأنّ الجبر مناف للحكمة ، ومنه يظهر إلزامه تعالى قلب أحد طاعته وصفة الحقّ ؛ لأنّه لمّا علم منه قبولها اختياراً وفّقه لقبولها ، ونصره عليه ، وهذا معنى الإلزام ، فانتفى الجبر في الموضعين ، وملك كلّ أحد ماله باختياره . [١] (فإنّ من لم يجعله [٢] اللّه من أهل صفة الحقّ ، فاُولئك شياطين الإنس والجنّ) .قيل : الظاهر أنّه تعليل لقوله : «لا يعرفنّ أحد منكم من أحد من الناس» ؛ لتضمّنه معنى الشيطنة التي تقتضي الحذر منهم بالتقيّة . وحينئذ يكون قوله: (فإنّ لشياطين الإنس) بياناً وتفصيلاً لما تضمّنه معنى الشيطنة، ويحتمل كونه تفصيلاً وبياناً لإثبات معنى آخر للمخرجين من صفة الحقّ ، وهو التمرّد والشيطنة . [٣] ولعلّ المراد بمَن الموصولة الإنس والجنّ ، فمعنى حملهاعليها شياطين الإنس إن كانوا من الإنس، وشياطين الجنّ إن كانوا من الجنّ .ويحتمل أن يراد بها الإنس خاصّة ، فحمل شياطين الجنّ عليها من باب التشبيه في الشيطنة ، أو إشارة إلى إلحاقهم بشياطين الجنّ بعد موتهم ، كما قاله بعض المفسّرين في قوله تعالى : «يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْاءِ نْسِ» [٤] . [٥] (حيلة ومكراً وخدائع ووسوسة بعضهم إلى بعض) . الحيلة : الحَذق، وجودة النظر ، والقدرة على التصرّف .
[١] القائل هو المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ١١ ، ص ١٧٢ و١٧٣ .[٢] في الطبعة القديمة للكافي والمتن الذي نقله الشارح رحمه الله سابقا : «لم يجعل» .[٣] قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ١١ ، ص ١٧٣ .[٤] الأنعام (٦) : ١٢٨ .[٥] في الحاشية : «في سورة الأنعام : «يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ» يعني الشياطين «قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْاءِنْسِ» أي من إغوائهم وإضلالهم ، أو منهم جعلتموهم أتباعكم ، فحشروا معكم ، كقولهم : استكثر الأمير من الجنود . البيضاوي» . تفسير البيضاوي ، ج ٢ ، ص ٤٥٢ . وانظر للمزيد : التبيان للطوسي ، ج ٤ ، ص ٢٧٢ ؛ تفسير مجمع البيان ، ج ٤ ، ص ١٦١ ؛ تفسير الثعلبي ، ج ٤ ، ص ١٩٠ ؛ تفسير السمعاني ، ج ٢ ، ص ١٤٤ .