البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٤٦٣
(في منزلة) . قيل : أي في عبادة واحدة، وهي تقريب القربان، وكانا بحسب الظاهر في درجة ومنزلة واحدة . [١] وقيل : لعلّ المراد بها منزلة الكرامة والشرف والقرب . [٢] (ليَنالا بها) أي بتلك المنزلة (من فضلي ورحمتي، فقرّبا قُرباناً). روي أنّه كان قربان هابيل كَبْشاً من أفضل أفراد غنمه، فقبل بنزول النار فأكلها له ، وقربان هابيل من أخسّ أفراد زرعته فلم يتقبّل [٣] . والمراد بالقربان هنا ما يتقرّب به إلى اللّه تعالى من الذبيحة وغيرها ، وهو في الأصل مصدر ، ولذلك لم يثنّ مع أنّ المراد منه اثنان . وقيل: تقديره: فقرّب كلّ واحدٍ منهما قرباناً، فلا يحتاج إلى التثنية . [٤] (ولا أقبل إلّا من المتّقين) . فعدم قبول قربان قابيل لتركه التقوى . (فكان من شأنهما ما قد علمت) من قتل أحدهما الآخر حسداً عليه. (فكيف تثق بالصاحب بعد الأخ) أي بعد عدم وثوقك بالأخ، وظهور الخيانة منه كما عرفت . (والوزير) عطف على الأخ، أو على الصاحب. والوزير وزير الملك الذي يحمل ثقله ويعينه برأيه ؛ أي لم تكن تثق بالأخ مع كمال قربه منك، وحمل الثقل عنك ، فكيف تثق بغيره؟! وفيه مبالغة في الحزم؛ لكثرة أهل الحسد . وقال بعض الأفاضل في شرح هذا الكلام : قوله : «فكيف تثق بالصاحب»؛ يعني إذا قتل أحد الأخوين الآخر حسداً له بسبب قبول قربانه، فكيف يجوز الوثوق بالصاحب لمن حصل له الاطّلاع على ذلك ، ولمّا كان هذا الكلام مُوهِماً للنهي عن وثوقه على هارون أيضاً ؛ استدرك ذلك بقوله : «بعد الأخ والوزير» ؛ يعني أنّ هارون عليه السلام صالح لأن تثق به وذلك؛ لأنّه كان نبيّاً مرسلاً . انتهى . [٥] ولا يخفى عليك بعد هذا التوجيه غاية البُعد .
[١] قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج ٢٥ ، ص ٩٨ .[٢] قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ١١ ، ص ٣٢٨ .[٣] راجع : تفسير العيّاشي ، ص ٣٠٩، ح ٧٨ . وعنه في بحار الأنوار ، ج ٢٣ ، ص ٦٣ ، ح ٣ .[٤] راجع : شرح المازندراني ، ج ١١ ، ص ٣٢٨ .[٥] قاله المحقّق الفيض رحمه الله في الوافي ، ج ٢٦ ، ص ١٢٩ .