البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٥٣٢
يحتمل أن يكون ضمير الفاعل راجعاً إلى العباد المحقّين، أي إنّما يتّخذ الناس هؤلاء العباد سخريّاً؛ لأنّهم ينسبونهم إلى المنكرات، أي يبيّنون أنّ ما هم عليه من العقائد والأعمال منكر مبتدع، وينهونهم عنه. [١] (وكان يُقال) ؛ كان قائله رسول اللّه صلى الله عليه و آله أو أحد من الأئمّة عليهم السلام ، وهذا ردّ للعجب والاستبعاد ممّا ذكر: (لا يكون المؤمن مؤمناً) كامل الإيمان (حتّى يكون أبغض إلى الناس من جيفة الحمار) ، ووجه ذلك بأنّ المؤمن قليل، والجاهل كثير؛ لقلّة العلم وغلبة الجهل ، وبين العلم والجهل والعالم والجاهل تضادّ وتعاند ، فالجاهلون المذمومون بلسان الكتاب والرسول يذمّون المؤمن العالم، ويبغضونه لترويج جهلهم وإخفاء فضله وشرفه، وكلّ من علمه أكثر وأتمّ كان بغضه في قلوبهم أكمل وأعظم . (ولو لا أن يصيبك البلاء) . لعلّ المراد به الفتنة والبليّة الواردة من قبل الناس، وأذاهم وتحقيرهم واستهزاؤهم . ويحتمل ما يعمّ ذلك والوارد من قبل اللّه ، والأوّل أنسب بقوله : (فتجعل فتنة الناس كعذاب اللّه ) ؛ الفاء فصيحة أو عاطفة ، والجملة معطوفة على «يصيبك»، وهو تضمين لمضمون الآية ؛ أعني قوله تعالى : «وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللّه ِ فَإِذَا أُوذِىَ فِي اللّه ِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللّه ِ» . [٢] قال بعض المفسّرين : أي فإذا اُوذي بأن عذّبه الكفرة على الإيمان، «جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ» ، أي ما يصيبهم من أذيّتهم في الصرف عن الإيمان «كَعَذَابِ اللّهِ» في الصرف عن الكفر . انتهى . [٣] والحاصل : أنّه يختار عذاب اللّه بالرجوع عن الحقّ والإيمان ليتخلّص من عذابهم وإضرارهم . وقوله : (واُعيذك باللّه وإيّانا من ذلك) جملة معترضة دعائيّة، وذلك إشارة إلى الجعل المذكور . وقوله : (لَقَرُبَت على بُعد منزلتك) جواب «لولا»، وهي لامتناع الثاني ـ أعني قرب المنزلة ـ لوجود الأوّل، أعني مجموع إصابة البلاء، وجعل فتنة الناس كعذاب اللّه ، لا كلّ واحد منهما،
[١] قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج ٢٥ ، ص ١٢٣ .[٢] العنكبوت(٢٩): ١٠.[٣] قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ٢٥ ، ص ١٢٤ .