البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٢٣٨
الفقر والجهل في العجز عن تحصيل المرام، وعجز الثاني أشدّ؛ لأنّه في الدنيا والآخرة، وعجز الأوّل في الدنيا فقط، وفي التنفير عن الجهل بجعله من أشدّ أفراد الفقر تنفير عن الفقر أيضاً، وهذا ينافي ما ورد في مدح الفقر والفقراء والترغيب فيه، ويمكن دفعه أوّلاً بأنّ المراد بالفقر هنا ما يكسر الظهر، ويدفع الصبر، وهو الذي وقع الاستعاذة منه في بعض الروايات.وثانياً بأنّ المراد به الفقر الظاهري مع الفقر الباطني، والمتّصف به من جمع فيه فقر الدنيا وعذاب الآخرة. وثالثاً بأنّ المراد به الفقر المعروف المتنفّر عند الناس، وهذا القدر كاف في تشبيه الجهل به والتنفير عنه . [١] (ولا واعظ [٢] أبلغ من النُّصح) .النُّصح بالضمّ: إرادة الخير للمنصوح، وإرشاده إلى مصالحه، وأصله الخلوص. وفي القاموس: «نصحه وله ـ كمنعه ـ نُصحاً ونصاحة ونصاحية، والاسم: النصيحة، ونصح: خلص» . [٣] وقيل: لعلّ المراد أنّ من ينصح الناس، ولا يغشّهم ، ويأمرهم بما يصلحهم يتّعظ هو أيضاً بما يعظ به غيره، فذاك واعظه، أو من يعظ رجلاً على وجه النصح يؤثّر فيه وإن لم يبالغ في ذلك، ولم يُطل الكلام، ومن لم يكن غرضه النصح لا يؤثّر كثيراً وإن أكثر وأطنب فيما يناسب المقام. [٤] وقيل: المراد من النصح استماع نصائح الكتاب والسنّة، وكونه أبلغ؛ لأنّ الواعظ يدعو إلى
[١] قاله المحقّق المازندراني رحمه اللهفي شرحه ، ج ١١ ، ص ٢١٥ .[٢] في الحاشية: «الواعظ يدعو إلى الخيرات، ويمنع عن المنهيّات، ونصح القرآن والسنّة أبلغ منه، فهو أولى بالاستماع ؛ لأنّ النداء الربّاني أولى بالإتّباع من النداء الإنساني ، وإلى ذلك أشار أمير المؤمنين عليه السلام في بعض خطبه بقوله : كيف يُراعي النَّبْأة من أصمّته الصَّيحة [نهج البلاغة ، ص ٥١ ، الخطبة ٤] أي كيف يحفظ الصوت الخفيّ من أصمّته الصيحة الإلهيّة والنبويّة ، استعار عليه السلام النَّبْأة لدعائه لهم وندائه إلى سبيل الحقّ ، والنصيحة لخطاب اللّه ورسوله، وهي كناية عن ضعف دعائه بالنسبة إلى قوّة دعاء اللّه، وتقرير ذلك أنّ الصوت الخفي لا يسمع عند القوي لاشتغال الحواسّ به ، وكان كلامه عليه السلام أضعف في جذب الخلق إلى الحقّ من كلام اللّه وكلام رسوله ، فأجراه مجرى الصوت القوي ، وأجرى كلامه مجرى الصوت الخفي ، وإسناد الإصمام إلى الصيحة ترشيح له للاستعارة ؛ إذ من شأن الصيحة الإصمام إذا قرعت السمع. صالح». شرح المازندراني ، ج ١١ ، ص ٢١٥ .[٣] القاموس المحيط ، ج ١ ، ص ٢٥٢ (نصح) .[٤] قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج ٢٥ ، ص ٤١ و٤٢ .