البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٥٥٢
والفتن: جمع الفتنة ، والمراد بها هنا الضلال، أو الإضلال، أو الكفر، أو الامتحان والاختبار من اللّه مع خروج الممتحنين إلى الكفر . والأفعال الثلاثة في قوله : (من أهواء تُتّبع، وأحكام تبتدع، يخالف فيها حكم اللّه ) على البناء للمفعول ، والضمير المجرور للأحكام أو للأهواء أيضاً . وقوله : «يخالف» صفة اُخرى للأحكام ، والمراد بتلك الأحكام المسائل الفقهيّة لأهل الخلاف، أو قواعدهم في نصب الإمام وشروطه ، ومعنى ابتداعها استحداثها بعد وفاة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ، ولما كان الغرض الأصلي من إرسال الرسل وإنزال الكتب وتقدير الشرائع نظام وجود الخلق، وانتظام اُمورهم في المعاش والمعاد، كان كلّ هوى متّبع، وحكم مبتدع خارج عن حكم اللّه منشأ لوقوع الفتن، وتبدّد النظام والانتظام . وقوله : (يتولّى فيها رجال رجالاً) ؛ جملة حاليّة، إشارة إلى سبب اشتهار الفتن وانتشارها . يقال : تولّاه ، أي اتّخذه وليّاً ، والأمر: تقلّده، أي تودّده، أو جعل والياً طائفة طائفة، أو تقلّد طائفة أمر طائفة، وأعانه في الأهواء المتّبعة والأحكام المبتدعة . ثمّ أشار إلى أنّ أسباب تلك الأهواء الفاسدة وموادّ تلك الأحكام الباطلة مزج المقدّمات الحقّة الواقعيّة بالمقدّمات المموّهة الشيطانيّة بقوله : (إنّ الحقّ) أي ما يجب التصديق به . (لو خَلَصَ) كنصر، أي كان خالصاً عن مزج الباطل، أو من الخفاء، كقولنا: الواحد نصف الاثنين . (لم يكن اختلاف) بين الناس ؛ أمّا على الأوّل فلأنّ المقدّمات المستعملة المسلّمة عند أهل الباطل لو كانت حقّاً، كانت النتيجة أيضاً حقّاً، فلا يكون بينهم وبين أهل [الحقّ ]اختلاف، فوقوع الاختلاف يدلّ على عدم الخلوص . وأمّا على الثاني فعدم الاختلاف ظاهر، فلم تكن ضلالة، ولا في التصديق به ثواب . (ولو أنّ الباطل) أي ما يجب الكفر والجحود به . (خلص) ممّا ذكر من الاحتمالين (لم يُخْفَ) بطلانه (على ذي حجًى) . الحِجى، كإلى: العقل، والفطنة، وعدم خفاء بطلانه على الأوّل؛ لأنّ مقدّمات الشبهة إذا كانت باطلة برأسها، ولم تكن مثوبة بالحقّ أصلاً، حكم العاقل الفطن ببطلانه جزماً . وأمّا على الثاني فظاهر، ولمّا خفي وجه البطلان على عدم الخلوص .