البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٧٨
والمُنازعة: المخاصمة والمجاذبة، والمراد هنا ما يعمّ المحاورات مطلقاً، أو ما يتعلّق بأمر الدين. وقوله: (فإنّه لابدّ لكم ... ) إشارة إلى لزوم [١] تلك الاُمور؛ إمّا لأجل التقيّة، أو لأنّ الإنسان مدنيّ بالطبع، يحتاج في تحصيل أغراضه ومآربه إلى بني نوعه، ولا يتمّ ذلك إلّا بالمجالسة والمخالطة، ومع تحقّقهما يتحقّق المنازعة والمخاصمة. وقوله: (بالتقيّة) متعلّق بقوله: «دينوا». وحاصل المعنى: اعملوا بالتقيّة، واعبدوا اللّه بعبادة التقيّة إذا أنتم جالستموهم وخالطتموهم؛ فإنّه لا يمكنكم ترك مخالطتهم لما ذكر، مع كونكم مأمورين بها في الآيات والأخبار الكثيرة، منها قوله تعالى: «وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ» ، [٢] وقوله: «لَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ» ، [٣] قال عليه السلام : «الحسنة: التقيّة، والسيّئة: الإذاعة». [٤] ومنها قوله تعالى: «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ» ، [٥] قال عليه السلام : «التي هي أحسن التقيّة». [٦] ومنها قوله تعالى: «إِلَا مَنْ اُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْاءِيمَانِ» ، [٧] قيل: الظاهر أنّه لا خلاف في وجوب التقيّة عند الحاجة إليها، وأنّ تاركها آثم، ولكن إثمه لا يوجب دخول النار؛ لما روي عن أبي جعفر عليه السلام في رجلين من أهل الكوفة اُخذا، فقيل لهما: ابْرَءا من أمير المؤمنين عليه السلام ، فبرئ واحد منهما وأبى الآخر، فخُلّي سبيلُ الذي بَرئ، وقُتِلَ الآخَر، فقال عليه السلام : «أمّا الذي بَرئ فرجل فقيه في دينه، وأمّا الذي لم يَبرأ فرجل تعجّل إلى الجنّة». [٨]
[١] ظاهر الكلام اللزوم كما ذهب إليه الشارح رحمه الله، لكن قد فهم المحقّق المازندراني رحمه الله منه الجواز أو الرجحان. راجع: شرح المازندراني، ج١١، ص١٧٦.[٢] الرعد(١٣): ٢٢؛ القصص(٢٨): ٥٤.[٣] فصّلت(٤١): ٣٤.[٤] الكافي، ج٢، ص٢١٧، باب التقّية، ح١؛ وص٢١٨، نفس الباب، ح٦؛ المحاسن، ج١، ص٢٥٧، ح٢٩٦ وح٢٩٧؛ تفسير فرات الكوفي، ص٣٨٥، ح٥١٣؛ تأويل الآيات، ص٥٢٦.[٥] المؤمنون(٢٣): ٩٦.[٦] الكافي، ج٢، ص٢١٨، باب التقيّة، ح٦؛ المحاسن، ج١، ص٢٥٧، ح٢٩٧.[٧] النحل(١٦): ١٠٦.[٨] الكافي، ج٢، ص٢٢١، باب التقيّة، ح٢١. وعنه في وسائل الشيعة، ج١٦، ص٢٢٦، ح٢١٤٢٥؛ وبحار الأنوار، ج٧٢، ص٤٣٦، ح١٠١.