البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٥٩٦
(والذي بعثه بالحقّ لتبلبلنّ بلبلة) . قيل : هذا إشارة إلى أنّهم كما عادت بليّتهم بعد النبيّ صلى الله عليه و آله كذلك تعود بعده . [١] فتأمّل . قال الفيروزآبادي : «البلبلة والبلابل: اختلاط الألسنة، وتفريق الآراء، وشدّة الهمّ والوساوس» . [٢] وقال بعض الشارحين : البلبلة : «البليّة أيضاً ؛ أي لتخلّطُنّ اختلاطاً في ألسنتكم، أو لتفرّقنّ افتراقاً في آرائكم، أو لتُبتَلُنَّ ببليّةٍ شديدة، وتحرّكن بالشدائد» . [٣] وقال ابن ميثم : «هي إشارة إلى ما يُوقع بهم بنو اُميّة وأضرابهم من اُمراء الجور من الفتن المزعجة والبلايا المتراكمة، وخلط بعضهم ببعض، وخفض أكابرهم، ورفع أراذلهم ». [٤] هذا كلامه، وأنت خبير بأنّ هذا التخصيص لا مخصّص له، فالصواب تعميم الامتحان والاختبار بحيث يشمل الفتن كائناً ما كان من اختلاف الأحوال واختلاط الأوضاع . (ولتُغربلُنَّ غَربلةً) . في القاموس: «غَرْبَلَهُ: نَخَلَهُ، وقطعه. والقوم: قتلهم، والغِربال بالكسر: ما يُنخل به» . [٥] قيل : الظاهر أنّها هنا مأخوذة من الغِربال، ويجوز أن تكون من قولهم: «غَربلتُ اللحم، أي قطعته» ، فعلى الأوّل الظاهر أنّ المراد تمييز جيّدهم من رديّهم، ومؤمنهم من منافقهم، وصالحهم من طالحهم بالفتن التي تعرض لهم ، كما أنّ في الغربال يتميّز اللبّ من النخالة . وقيل : المراد خلطهم؛ لأنّ غربلة الدقيق تستلزم خلط بعضه ببعض . [٦] وعلى الثاني لعلّ المراد تفريقهم وقطع بعضهم من بعض . وقال ابن ميثم : «هو كناية عن التقاط آحادهم، وقصدهم بالقتل والأذى، كما فعلوا بكثير من الصحابة والتابعين» . [٧] انتهى . فعلى هذا شبّه عليه السلام ذلك بغربلة الدقيق، واستعار له لفظها .
[١] قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ١١ ، ص ٣٩٠ .[٢] القاموس المحيط ، ج ٣ ، ص ٣٣٧ (بلبل) مع التلخيص .[٣] قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ١١ ، ص ٣٩٠ .[٤] راجع: شرح نهج البلاغة لابن ميثم ، ج ١ ، ص ٢٩٦ ـ ٣٠٠ .[٥] القاموس المحيط ، ج ٤ ، ص ٢٤ (غربل) .[٦] قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج ٢٥ ، ص ١٥٣ .[٧] راجع: شرح نهج البلاغة لابن ميثم ، ص ٢٩٧ و٢٩٨ .