البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٥١٢
الْأَلْبَابِ» [١] : عِبرة لهم» . [٢] وقوله : (ثمّ يعصي اللّه ) أي يترك الأولى والأفضل ، وإطلاق العصيان عليه مجاز؛ لكونه بالنسبة إلى درجة كمالهم بمنزلة العصيان. (فيخرج به من الجنّة) كآدم عليه السلام (ويُنبذُ به) أي يُلقى (في بطن الحوت) كيونس عليه السلام [٣] . ولعلّ عصيانه غضبه على قومه، وخروجه من بينهم، وإباقه منهم بغير إذن ربّه . (ثمّ لا يُنَجّيه إلّا الاعتراف والتوبة) كقول آدم عليه السلام : «رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا» ، [٤] وكقول يونس عليه السلام : «لَا إِلهَ إِلَا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ» . [٥] وقيل : فيه حثّ بليغ لأرباب الذنوب على الاستغفار والتوبة والاعتراف بالتقصير، وتحذير شديد لأصحاب المعاصي في العقائد والأعمال من غير بنائهما على علم ويقين؛ فإنّ من تصوّر ما جرى على آدم ويونس عليهماالسلام بالزلّة الواحدة والمعصية الصغيرة التي هي خلاف الاُولى بالنسبة إلى الأنبياء، يكون على وَجَل شديد من المعاصي العظيمة، سيّما إذا تعاقبت وتكاثرت، ويحكم بأنّها سبب تامّ للمنع عن دخول الجنّة، فكيف يطمع دخولها مع بقائه على المعاصي، وعدم تداركه بالتوبة ؟! [٦] (فاعرف أشباه الأحبار والرهبان) أي الذين يتشبّهون بعلماء الاُمم السابقة وزهّادهم وعبّادهم صورةً، وليسوا منهم، بل ماتوا ضالّين مضلّين، أو أشباه الأحبار والرهبان الذين ذمّهم اللّه في كتابه حيث أظهروا البدع، وسعوا في تشييد قوانينها، وكتموا الكتاب والسنّة، واجتهدوا في تخريب أحكامها ومبانيها، وفسّروا الكتاب بآرائهم، وأوّلوه بأهوائهم، وشروا الدُّنيا بالآخرة، وأكلوا السحت وأموال الناس بالباطل، وصدّوهم عن سبيل اللّه . (الذين ساروا بكتمان الكتاب وتحريفه) صفة للأحبار والرهبان؛ أي بإخفاء ما في التوراة والإنجيل من الأحكام التي لا تهوى أنفسهم ، ونعت رسول اللّه صلى الله عليه و آله .
[١] ص(٣٨): ٤٣؛ غافر(٤٠): ٥٤.[٢] القاموس المحيط ، ج ٢ ، ص ٣٥ (ذكر) .[٣] في الحاشية: «قال الفاضل الكاشي : أشار بالنبيّ من الأنبياء عليهم السلام إلى يونس، على نبيّنا وعليه السلام. ثمّ قال : وأمّا إطلاقه الجنّة على الدنيا فلعلّ الوجه فيه أنّها بالإضافة إلى بطن الحوت جنّة من أكل منه ، فتأمّل ». الوافي ، ج ٢٦ ، ص ٩٣ .[٤] الأعراف(٧): ٢٣.[٥] الأنبياء(٢١): ٨٧.[٦] قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ١١ ، ص ٣٥٤ و٣٥٥ .