البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٥٠٦
أو سبقت إليه تعالى من حيث الصدور؛ فإنّ بداية وجود الخلق وكمالاته اللاحقة به من غير سبق استحقاق، وأنّ نزول غضبه تعالى على العُصاة وعقوبته لهم بعد سلبهم قابليّة الرحمة عن أنفسهم سوء صنيعهم . (فتمّت صدقاً وعدلاً) أي كلمة كتابة سبق الرحمة الغضب والوعد بها وتقديرها، أو تمّت هذه الكلمة كما في قوله تعالى : «وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقا وَعَدْلاً» . [١] قال البيضاوي : «أي بلغت الغاية أحكامه ومواعيده «صِدْقاً» في الأخبار والمواعيد «وَعَدْلاً» في الأقضية والأحكام» . قال : «ونصبهما يحتمل الخبر، والحال، والمفعول له» . [٢] وقيل : لعلّ المراد هنا بتماميّة صدق الرحمة، وعدلها وقوعها موقعها على وجه الصواب؛ إذ لا يتصوّر الخطأ من رحمته تعالى بخلاف رحمة الإنسان بعضهم بعضاً . [٣] ثمّ إنّه عليه السلام أراد أن يشير بكيفيّة سبق الرحمة على الغضب، فقال : (فليس يبتدئ العباد) بالنصب على أنّه مفعول «يبتدئ»، وفاعله المستتر راجع إلى اللّه . (بالغضب قبل أن يُغضبوه) من الإغضاب؛ أي يفعلوا ما يوجب غضبه وعقابه ، وهذا بخلاف ابتدائهم بالرحمة كما مرّ. (وذلك) العلم المذكور، يعني العلم بإيجاب غضبه على من لم يقبل منه رضاه، إلى آخره (من علم اليقين). إضافة العلم إلى اليقين من قبيل إضافة الموصوف إلى الصفة ؛ يعني أنّ ذلك كلّه من العلوم اليقينيّة التي لا ريب فيها . (وعلم التقوى) أي وذلك من العلم الذي يتّقى به من عذاب اللّه ؛ إذ من أنكره وجهل به فهو كافر مستحقّ لعذابه ، أو علم يبعث النفس على التقوى ، أو علم هو من ثمرة التقوى ونتيجته التي لا تحصل إلّا في المطيع الخالص عن كدر شبهات الأوهام . والظاهر أنّ قوله : (وكلّ اُمّة) مبتدأ ، وقوله : (قد رفع اللّه عنهم علم الكتاب) نعت له . وقوله : (حين نبذوه) ؛ أي طرحوه وراء ظهورهم، ظرف مستتر خبره . وقيل : «كلّ اُمّة»
[١] الأنعام(٦): ١١٦.[٢] تفسير البيضاوي ، ج ٢ ، ص ٤٤٥ .[٣] قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ١١ ، ص ٣٥٢ .