البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٥٠٤
وقال بعض الشارحين : ينبغي أن يعلم أنّ بناء الرشاد والتقوى على ثلاثة اُمور : الأوّل : قبول الهادي وهدايته، وهو النبيّ والوصيّ عليهماالسلام . الثاني : قبول ما جاء به النبيّ صلى الله عليه و آله من الأوامر والنواهي وغيرهما، والتصديق بها . الثالث : قبول ما أراد بالأوامر، والنهي من العمل بالطاعات وترك المنهيّات، والامتثال به . فأشار إلى الثالث بقوله : (وعلموا أنّ اللّه ـ تبارك وتعالى ـ الحليم العليم) . قال: في ذكر هذين الوصفين ترغيب في قبول ما يلقى إليهم ؛ أمّا العلم فظاهر، وأمّا الحلم فلأنّ أخذ الحليم شديد كما اشتهر : «اتّقوا من غضب الحليم» . وقوله : (رضاه) ؛ أي ما يوجب رضاه . وأشار إلى الثاني بقوله : (وإنّما يمنع) ؛ أي الرحمة والعطاء (من لم يقبل منه عطاه)، وهو ما جاء به الرسول صلى الله عليه و آله من دينه الحقّ؛ لأنّه عطيّة منه تعالى على عباده، متضمّن لمصالحهم . أقول : لا وجه لتخصيص العطاء بما ذكر . قال : وأشار إلى الأوّل بقوله : (وإنّما يُضلّ [١] من لم يقبل منه هداه) ؛ لأنّ من لم يقبل الهادي إلى الطريق وأعرض عن هدايته، ضلّ عنه . [٢] (ثمّ أمكن أهل السيّئات) . قال الجوهري : «مكّنه اللّه من الشيء وأمكنه [منه] بمعنى» . [٣] (من التوبة) أي الرجوع من السيّئات والندم عليها . (بتبديل) سيّئاتهم (الحسنات) . الظاهر أنّ الباء للتعليل، وفاعل «التبديل» أهل التوبة، أو اللّه سبحانه؛ أي جعل أهل السيّئات قادرين على التوبة متمكِّنين منها ؛ لأن يبدّلوا أو يبدّل اللّه بها سيّئاتهم حسنات، وهو إشارة إلى قوله تعالى : «فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللّه ُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ» . [٤] وقيل : التبديل بأن يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة، ويثبت مكانها لواحق طاعاتهم، أو بأن
[١] في الحاشية: «من الضلالة، أو من الإضلال؛ أي ضاع وهلك، أو يضلّ اللّه ويخذل . منه».[٢] قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ١١ ، ص ٣٥١ .[٣] الصحاح ، ج ٦ ، ص ٢٢٠٥ (مكن) .[٤] الفرقان (٢٥): ٧٠.