البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٤٦٦
الدنيا وعدم اتّخاذها دار استيطان، فأشار إلى الأوّل وهو توقّف هذا التصديق على تصوّر المحكوم به بقوله: (كيف تعرف) أي الخليقة (فضلي عليها) وتصدّق به (وهي لا تنظر فيه) أي في الفضل، ولا تتصوّره؛ لانتفاء التصديق بانتفاء التصوّر. وأشار إلى الثاني بقوله: «تنظر فيه»، أي في الفضل وتتصوّره . (وهي لا تؤمن به) أي لا تقرّ، ولا تذعن بوجوده. وأشار إلى الثالث بقوله: (وكيف تؤمن به، وهي لا ترجو ثواباً)؛ لأنّ الأقرار بوجود الفضل الذي من جملته الشرع يستلزم الرجاء بالثواب الموعود فيه، وانتفاء اللازم يستلزم انتفاء الملزوم. وأشار إلى الرابع بقوله: (وكيف ترجو ثواباً، وهي قد قنعت بالدنيا) وغفلت عن الآخرة (واتّخذتها مأوى) أي مكان استقرار ودار استيطان . [١] (وركنت إليها رُكون الظالمين) . قال الجوهري: ركن إليه يركن، وحكى أبو زيد: ركِن إليه ـ بالكسر ـ رُكوناً فيهما، أي مال إليه وسكن. وأمّا ما حكى أبو عمرو: رَكَن يركن ، بالفتح فيهما، فإنّما هو على الجمع بين اللغتين. [٢] انتهى. وقيل في توجيه توقّف رجاء الثواب بعدم القناعة بالدنيا: إنّ الرجاء بالثواب يستلزم التمسّك بأسبابه، والعمل للآخرة، وعدم القناعة بالدنيا والركون إليها، وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم. ويظهر من هذه المقدّمات أنّ القانع بالدنيا الغافل عن الآخرة مسلوب عنه جميع ما تقدّم؛ لأنّ انتفاء الموقوف عليه والأسباب مستلزم لانتفاء الموقوف والمسبّبات، وليس للدنيا وأهلها ذمّ أبلغ من هذا. [٣] (يا موسى، نافس في الخير أهله) . المنافسة في الشيء: الرغبة فيه على وجه المباراة ، والمبالغة في الكرم.
[١] القائل هو المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ١١ ، ص ٣٣٠ و٣٣١ .[٢] الصحاح ، ج ٥ ، ص ٢١٢٦ (ركن) .[٣] قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ١١ ، ص ٣٣١ .