البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٤٥٤
غيره أيضاً أو غيره وحده فهو حبل غيره، لا حبله، ولا ما اتّصل به حبله، فليس سبباً للوصول إليه ، فلذلك فرّع عليه طلب العبادة الخالصة بقوله : (فاعبدني) لا غيري ؛ لا بالاشتراك، ولا بالانفراد . [١] (وقم بين يديّ مقام العبد الفقير) . [٢] في بعض النسخ: «الحقير» . قال الجوهري : المَقام والمُقام فقد يكون كلّ واحدٍ منهما بمعنى الإقامة ، وقد يكون بمعنى موضع القيام؛ لأنّك إذا جعلته مِن قام يَقوم فمفتوح، وإن جعلته من أقام يُقيم فمضموم ؛ لأنّ الفعل إذا جاوز الثلاثة فالموضع مضموم الميم ، وقوله تعالى : «لَا مَقَامَ لَكُمْ» [٣] ؛ أي لا موضِعَ لكم ، وقرئ: «لا مُقام لكم» بالضمّ ؛ أي لا إقامة لكم . انتهى . [٤] وبهذا يظهر لك فساد ما قيل: إنّ المُقام ـ بضمّ الميم ـ مصدر ميمي، وفتحها على أنّه اسم مكان، بعيد . [٥] (ذمّ نفسك) على ما صدر منها ممّا لا ينبغي (فهي أولى بالذمّ) ممّن يستحقّ الذمّ كالشيطان؛ فإنّه لا حجّة له في دعوته، إنّما يدعوك بالأماني الكاذبة الموهومة ، فتتبعه نفسك الأمّارة بالسوء ؛ أ لا ترى إلى قوله: «فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ» [٦] الآية . وفيه ترغيب على عدم الاغترار بغرور النفس الأمّارة، وجعلها مؤتمرة مقهورة للنفس اللوّامة . (ولا تتطاول بكتابي على بني إسرائيل) . التطاول: الامتداد والارتفاع ، والظاهر أنّ المراد بالكتاب التوراة ؛ أي لا تترفّع عليهم بالعلم بكتابي أو بتعظيمه؛ فإنّ ذلك وإن كان موجباً لعلوّ الدرجة ورفع المنزلة، لكن الاستطالة والترفّع به يؤدّي إلى سقوطها وانحطاطها . (فكفى بهذا واعظاً لقلبك) . الظاهر أنّ هذا إشارة إلى جميع ما ذكر من المواعظ والحِكَم . وقيل : إشارة إلى الكتاب ،
[١] قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ١١ ، ص ٣٢٠ و٣٢١ .[٢] في المتن الذي نقله الشارح رحمه الله سابقا : «الحقير الفقير» .[٣] الأحزاب (٣٣) : ١٣ .[٤] الصحاح ، ج ٥ ، ص ٢٠١٧ (قوم) .[٥] قاله المحقّق المازندراني رحمه اللهفي شرحه ، ج ١١ ، ص ٣٢١ .[٦] إبراهيم (١٤): ٢٢.