البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٢٨٢
يتنفّر عنها الطبائع ويستكرهها.(ولا كلّ غائب يؤوب) . الأوب والإياب: الرجوع، وفعله كصان .ولعلّ الغرض الترغيب والاهتمام باُمور الآخرة، وانتهاز الفرصة عند التمكّن من تحصيلها . أو التنفير عن اُمور الدنيا وترك الحرص وتضييع العمر في طلبها، أو هما جميعاً.والمراد بالغائب ما يقابل الحاضر ، سواء كان حاصلاً فغاب، أو فقد ، أو لم يحصل بعد. وقيل: هذا الكلام يحتمل وجهين:أحدهما: أنّ ما مضى من عمرك لا يرجع، فاغتنم ما بقي، وتدارك ما فات. وثانيهما: أنّ الدنيا بعد انصرافها لا ترجع، فاغتنم حضورها، واعمل فيها للآخرة . [١] (لا ترغب فيمن زهد فيك) . في القاموس: «زهد فيه، كمنع وسمع وكرم: ضدّ رغب، زُهداً وزَهادة، أو الزهادة في الدنيا والزهد في الدين» . [٢] وأقول : لعلّ المراد: لا تطلب صحبة من لا يريد صحبتك، ويتنفّر عنك من أهل الدنيا . ولعلّه بحسب المفهوم دلّ على الرغبة في راغب فيك، ويدلّ عليهم صريحاً قول أمير المؤمنين عليه السلام في موضع آخر: «زُهدك في راغب فيك نُقصان حظّ، ورغبتك في زاهد فيك ذُلّ نفس» . [٣] ويحتمل أن يراد ترك الدنيا والفرار منها؛ فإنّها تفرّ عن كلّ من رغب إليها. (ربّ بعيد هو أقرب من قريب) .«ربّ» للتكثير. ولعلّ المراد أنّ كثيراً من الاُمور التييستبعدها الإنسان كالموت والمصائب، بل بعض النعم الدنيويّة والاُخرويّة قريب منه وهو لا يعلم.وربّ أمر يظنّه قريباً ويستقربه ، ولا يتيسّر له وإن بذل جهده في تحصيله. وقيل: فيه تنبيه على أنّ البعيد يصير بالإحسان وحسن المعاشرة أقرب من القريب، أو
[١] قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ١١ ، ص ٢٣٥ .[٢] القاموس المحيط ، ج ١ ، ص ٢٩٨ (زهد) .[٣] نهج البلاغة ، ص ٥٥٥ ، الحكمة ٤٥١ .