البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٢٧٨
(لا تُنال نعمة إلّا بزوال اُخرى) .قال ابن ميثم: «فإنّ نعمها لا تجتمع أشخاصها كلقمة ولقمة ، بل وأنواعها كالأكل والشرب والجماع» . [١] وقال بعض الأفاضل: ظاهر أنّ عادة الدنيا أنّ نعمها متناوبة؛ فإنّ من ليس له مال يكون آمناً صحيحاً غالباً، وإذا حصل له الغنى يكون خائفاً أو مريضاً لا ينتفع بماله، بل كلّ حالة من جهة نعمة ومن جهة بلاء كالمرض، فإنّه نعمة لتكفيره السيّئات، فإذا ورد عليه نعمة الصحّة زالت تلك النعمة الحاصلة بالبلاء . [٢] والحاصل أنّه عليه السلام نفّر عن الدنيا بزوال نعمها ولذّاتها ، وعدم بقائها وثباتها ، وتوقّف لاحقها على فوات سابقها؛ إذ كلّ نوع من اللذّة والنعمة فإنّما يتجدّد شخص منها ، والالتذاذ بها بعد زوال مثله كلذّة المأكول والمشروب والملبوس وغيرها من الملاذّ الجسمانيّة ؛ فإنّ نيلها يستدعي فوات اُختها السابقة، وما كان كذلك لا يعدّ نعمة في الحقيقة ملتذّاً بها، فلابدّ للعاقل اللبيب من صرف عمره في تحصيل النعم الباقية من العلوم والمعارف والحكم الإلهيّة والأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة النافعة في الدار الآخرة.(ولكلّ [٣] رمق قوت) . القوت: المسكة من الرزق، وهي ما يتمسّك به، وما يمسك الأبدان من الغذاء والشراب.والرمق بالتحريك: بقيّة الروح والحياة ، وآخر النفس . أي لكلّ قدر من الحياة قوت مقدّر ثابت قطعاً.وقيل: تخصيص الرمق بالذكر للتنبيه على أنّ الحياة والقوت متلازمان ، لا يكون أحدهما بدون الآخر ، زجر للطالب عن الاهتمام به ، وصرف العمر في طلبه. [٤] وفي بعض النسخ المصحّحة: «لكلّ ذي رمق» ، وهو أظهر.
[١] لم نعثر على عين هذه العبارة في شرح الخطبة ، لكن اُنظر مضمونه في شرحه على نهج البلاغة ، ج ٥ ، ص ٣٤٢ و٣٤٣ .[٢] مرآة العقول ، ج ٢٥ ، ص ٥٢ .[٣] في المتن الذي نقله الشارح رحمه الله سابقا وكلتا الطبعتين : + «ذي» .[٤] قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ١١ ، ص ٢٣٤ .