البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ٢٦٢
الحريص في الدنيا، فلتخلّصه منها وممّا يوجب زيادة العقوبة في الآخرة، وحمل الاشتراء على معنى البيع باعتبار أنّ الكريم يحبّ البقاء للطاعات، واللئيم يحبّ الدنيا بعيدا جدّاً؛ لأنّ المقام يقتضي حبّ الموت والترغيب فيه . [١] وقال بعض الأعلام : يمكن أن يوجّه هذا الكلام بوجوه:الأوّل : أن يكون المراد أنّه لو كان الموت ممّا يمكن أن يشترى ، لاشتراه الكريم لشدّة حرصه في الكرم وقلّة بضاعته ، كما هو الغالب في أصحاب الكرم، فلا يجد ما يجود به، وهو محزون دائماً لذلك، ويتمنّى الموت ويشتريه إن وجده.واللئيم يشتريه؛ لأنّه لا يحصل له ما هو مقتضى حرصه، ويرى الناس في نعمة، فيحسدهم عليها، فهو في شدّة لازمة لا ينفكّ عنها بدون الموت، فيتمنّاه.الثاني : أن يكون المراد أنّه يشتريه الكريم لنفسه ؛ ليتخلّص منه البائع واللئيم؛ لأنّه حريص على جمع جميع الأشياء حتّى الموت. الثالث : أن يقال: إنّه يشتري الكريم لرفع الموت من بين الخلق، واللئيم ليميت جميعهم ويستبدّ بأموالهم . [٢] (أيّها الناس، إنّ للقلوب شواهدَ تُجري الأنفس عن مَدرجَة أهل التفريط) . لعلّ المراد بالشواهد الأعلام والأدلّة الدالّة على طريق الوسط والعدل من النقل والعقل.وقوله: «تجري» إمّا على صيغة المعلوم من باب الإفعال، والمستتر فيه راجع إلى الشواهد، والأنفس مفعوله ؛ أو على صيغة المجرّد المعلوم، والأنفس فاعله بتقدير العائد الموصوف، أي تجري الأنفس بها ، و«عن» للبعد والمجاوزة .قال الجوهري : «المَدرجة: المسلك» [٣] ؛ يعني أنّ للقلوب شواهد ممّا يفيض عليها من أنوار حكمته تعالى، أو ممّا جُبلت عليه من معرفة الحقّ وسائر البديهيّات من الوجدانيّات والمشاهدات التي هي اُصول اكتساب النظريّات وموادّها ، تُجري تلك الشواهد الأنفس وتسوقها مجاوزة بها ومبعدة إيّاها عن مسلك أهل التفريط والتقصير في اتّباع الحقّ وأهله
[١] القائل هو المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ١١ ، ص ٢٢٥ .[٢] قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج ٢٥ ، ص ٤٨ و٤٩ .[٣] الصحاح ، ج ١ ، ص ٣١٤ (درج) .