البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ١٩٣
وأقول: أنت خبير بعدم ورود هذا الاعتراض ؛ لوجوب تقدير العائد حينئذ لئلاّ يبقى «كان» خالياً عن الاسم .ثمّ قال: الظاهر أنّ «كان» ناقصة، وأنّه شبّه أعماله القبيحة وأخلاقه الذميمة وعقائده الفاسدة بالنار في الإهلاك، واستعار لفظ النار لها ، ورشّح بذكر الالتهاب، أو سمّاها ناراً مجازاً مرسلاً باعتبار أنّها تصير ناراً في القيامة .ثمّ قال : [قال] الشيخ في الأربعين نقلاً عن بعض العارفين: إنّ الحيّات والعقارب والنيران في القيامة هي بعينها تلك الأعمال والأخلاق والعقائد الباطلة، وإنّ اسم الفاعل في قوله تعالى: «وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ» [١] للحال وعلى حقيقته [لا للاستقبال] ، كما قيل: وإنّ قبائحهم الخُلقيّة والعمليّة والاعتقاديّة محيطة بهم في هذه النشأة، وهي بعينها جهنّم التي ستظهر عليهم في النشأة الاُخرويّة بصورة النار وعقاربها وحيّاتها . [٢] وقريب منه ما قيل: الظاهر أنّ المراد أنّهم في الدنيا في نار البعد والحرمان والسخط والخذلان، لكنّهم لمّا كانوا بمنزلة الأموات لعدم العلم واليقين ، لم يستشعروا ألم هذه النار، ولم يدركوها، كما قال تعالى: «أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَما يَشْعُرُونَ» [٣] . [٤] ويحتمل أن يراد بالنار أسباب دخولها استعارة أو مجازاً مرسلاً تسمية للسبب باسم المسبّب . (تأكل أبداناً) كأنّ المراد : تحرقها ، أو تحكّها ، أو تفسدها ، بتشبيه النار بالأكل في الإفناء والإفساد .(قد غابت عنها أرواحُها) . قيل: هو من باب نسبة الجمع إلى الجمع بالتوزيع، والمراد بغيبتها فسادها بالمهلكات . [٥]
[١] التوبة (٩) : ٤٩ ؛ العنكبوت (٢٩) : ٥٤ .[٢] الأربعون حديثا ، ص ٢٤٦ ، و٢٤٧ (مع التلخيص) . وانظر : شرح المازندراني ، ج ١١ ، ص ١٩٧ و١٩٨ .[٣] النحل (١٦) : ٢١ .[٤] قاله العلّامة المجلسي رحمه الله في مرآة العقول ، ج ٢٥ ، ص ٣٣ .[٥] قاله المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ١١ ، ص ١٩٨ .