البضاعة المزجاة - ابن قاریاغدی، محمد حسین - الصفحة ١٨٥
وجوده بدون الآخر، كما روي عن أبي عبد اللّه عليه السلام : «العلم مقرون إلى العمل، فمن علم عمل، ومن عمل علم ؛ والعلم يهتف بالعمل، فإن أجابه ، وإلّا ارتحل عنه» [١] .(فمن عرف اللّه خافه) ؛ لأنّ العارف بعظمة اللّه وكبريائه ، وغضبه وقهره ، وكمال قدرته على جميع خلقه ، وعلى تعذيبهم وإفنائهم من غير أن يمنعه مانع ، أو يعترضه معترض ، أو يعود إليه ضرر ، حصّلت له حالة نفسانيّة تبعث صاحبها إلى عدم الاجتراء بترك ما ينبغي فعله ، وفعل ما ينبغي تركه، وتلك الحالة تسمّى خوفاً، ولها مراتب متفاوتة بتفاوت مراتب المعرفة .(وحَثّه الخوفُ على العمل بطاعة اللّه) ؛ لأنّ الخوف ـ كما عرفت ـ يبعث الخائف إلى الطاعات، وموجبات القربات، ورفض ما يوجب البُعد عن جناب القدس .(وإنّ أرباب العلم) من الأنبياء والأوصياء (وأتباعهم) [٢] ممّن اتّبع منارهم، واقتبس من آثارهم.وقوله: (الذين عرفوا اللّه) خبر «إنّ». (فعملوا له ، ورغبوا إليه) .وأمّا غيرهم فلم يعرفوا اللّه، ولم يعملوا له؛ لاتّباعهم أهل البغي والجهل، وعدم تمسّكهم بدين أرباب العلم والعدل . (وقد قال اللّه) في سورة فاطر: «إِنَّمَا يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ» [٣] .قال البيضاوي : إذ شرط الخشية معرفة المَخشيّ ، والعلم بصفاته وأفعاله، فمن كان أعلم به كان أخشى منه، ولذلك قال صلى الله عليه و آله : «إنّي أخشاكم [للّه ]وأتقاكم له» [٤] .وتقديم المفعول لأنّ المقصود حصر الفاعليّة، ولو اُخّر انعكس الأمر. وقُرئ برفع اسم «اللّه» ونصب «العلماء» على أنّ الخشية مستعارة للتعظيم؛ فإنّ المعظَّم يكون مَهيباً. [٥] انتهى .
[١] الكافي ، ج ١ ، ص ٤٤ ، باب استعمال العلم ، ح ٢ ؛ نهج البلاغة ، ص ٥٣٩ ، الحكمة ٣٦٦ ؛ عدّة الداعي ، ص ٧٨ ؛ عوالي اللئالي ، ج ٤ ، ص ٦٦ ، ح ٢٦ . والقائل هو المحقّق المازندراني رحمه الله في شرحه ، ج ١١ ، ص ١٩٣ .[٢] في الحاشية: «أي الشيعة؛ لأنّ غيرهم فلم يعرفوا اللّه ، ولم يعملوا له ؛ لأنّ اُصولهم فاسدة ، وطاعتهم باطلة . مصحّح».[٣] فاطر(٣٥) : ٢٨ .[٤] مسند أحمد ، ج ٦ ، ص ٢٢٦ ؛ الإصابة ، ج ٤ ، ص ٤٨٧ ، ح ٥٧٥٧ ؛ بحار الأنوار ، ج ٦٧ ، ص ٣٤٤ .[٥] تفسير البيضاوي ، ج ٤ ، ص ٤١٨ .