رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٣٥
ولمّا ابتدأت المعركة قام كلٌّ من الطائفتين بما خُوِّل إليهم من الأعمال، فمن كان في مقدّم الصفوف يقاتل المشركين بسيفه و من كان على الجبل يرشق العدو بسهامه، حتّى انهزم العدو وتولّى وخرج عن ساحة الحرب وكانوا ثلاثة آلاف، وعند ذاك امتلأ الوادي بما خلّفوه من الغنائم، وحينما رآها الرماة ورأوا أنّ إخوانهم المسلمين يحوزونها دونهم، عصف بهم ريح الطمع واختلفوا فيما بينهم و قال بعضهم: ما بقاؤنا هنا، وتجاهلوا وصية الرسول وتشديده عليهم بالبقاء، فقال لهم أميرهم عبد اللّه بن جبير: امكُثوا ولا تُخالفوا أمر الرسول، ولكنّ أكثرهم غادروا مواقعهم لانتهاب الأسلاب والأموال، وتاركين أميرهم عبد اللّه في نفر دون العشرة.
واللّه سبحانه يشير إلى هذا التنازع والعصيان بقوله: (حتّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الأمر وَعَصَيْتُمْ).
كما أنّه سبحانه يشير إلى طمعهم في جمع الأموال والأسلاب، بقوله : (مِن بعدِ ما أراكُم ما تحبّون).
كما أنّه يشير إلى أنّ الرماة المستقرين على الجبل كانوا على قسمين بقوله:
الف: (منهُم مَنْ يريد الدّنيا)وهم الذين تركوا مقاعدهم طمعاً بالغنيمة.
ب: (منهم من يريد الآخرة)وهم الذين ثبتوا في مواقعهم مع أميرهم عبد اللّه بن جبير و استشهدوا ـ رضوان اللّه تعالى عليهم ـ على يد خالد بن الوليد و من معه. وذلك لأنّ خالداً لمّا رأى أنّ مؤخّرة المسلمين مكشوفة حيث أخلاها الرماة، اغتنم الفرصة، فهاجم مع جماعة من المشركين، البقية الباقيةَ من الرماة، وقاتل هؤلاء بشجاعة وحرارة حتّى استشهدوا جميعاً، ولمّا انكشف ظهر المسلمين ، رجع المشركون ـ المنهزمون ـ إلى الميدان من وراء المسلمين وأحاطوا بهم من الخلف والأمام وأكثروا فيهم القتل والجراح، ودارت الدائرة عليهم بعد أن كانت لهم.