رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٣٢
غاية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الكتابة
قد حيل بين رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وكتابته، وربّما يجد الإنسان في نفسه تعطّشاً إلى معرفة ما كان يضمره النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من طلب الورق والقلم لكن يمكن معرفته من خلال تصريحات الخليفة بعد رحلة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإليك كلامه بعد زمن استُتبَّ له فيه الأمر وجلس على منصة الرئاسة.
روى ابن عباس(رض) قال: دخلت على عمر في أوّل خلافته، وقد أُلقي له صاعٌ من تمر على خَصَفة، فدعاني إلى الأكل، فأكلت تمرة واحدة، وأقبل يأكل حتّى أتى عليه، ثمّ شرب من جَرّ كان عنده، واستلقى على مِرفقة له، وطفق يحمد اللّه، يكرر ذلك، ثمّ قال: من أين جئت يا عبد اللّه؟ قلت: من المسجد، قال: كيف خلّفت ابن عمك؟ فظننته يعني عبد اللّه بن جعفر، قلت: خلّفته يلعب مع أترابه، قال: لم أعنِ ذلك، إنّما عَنيتُ عظيمَكم أهلَ البيت، قلت: خلّفته يمتح بالغَرْب على نخيلات من فلان، وهو يقرأ القرآن، قال: يا عبد اللّه، عليك دماء البُدن إن كتمتنيها! هل بقى في نفسه شيء من أمر الخلافة؟ قلت: نعم، قال: أيزعم أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) نصّ عليه؟ قلت: نعم، وأزيدك، سألت أبي عمّا يدّعيه، فقال: صدق، فقال عمر: لقد كان من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) في أمره ذَرْوٌ من قول لا يثبت حُجّة، ولا يقطع عذراً، ولقد كان يربع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام، لا وربّ هذه البنيّة لا تجتمع عليه قريش أبداً! ولو وليها لانتقضت عليه العرب من أقطارها، فعلم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّي علمت ما في نفسه، فأمسك، وأبى اللّه إلاّ إمضاء ما حتم.[١]
[١] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:١٢/٢٠ـ ٢١ نقله عن أبي طاهر صاحب كتاب «تاريخ بغداد» في كتابه مسنداً.