رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٢٨
وظاهر قوله سبحانه: (ما كانَ لنبي أن يكون له أسرى حتّى يُثخن في الأرض) هو انّ السنّة الجارية في الأنبياء الماضين انّهم كانوا إذا حاربوا أعداءهم وظفروا بهم، ينكلونهم بالقتل ليعتبر به مَنْ وراءهم حتّى يكفّوا عن عدائهم للّه ورسوله، وكانوا لا يأخذون أسرى حتى يُثخنوا في الأرض ويستقر دينهم بين الناس، فعند ذلك لم يكن مانع من الأسر، ثمّ يعقبه المنّ أو الفداء.
يقول سبحانه في آية أُخرى:(فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثَاقَ فَإِمّا مَنّاً بَعْد وَإِمّا فِداءً)[١] . فأجاز أخذ الأسر، لكن بعد الإثخان في الأرض واستتباب الأمر.
ثمّ إنّه يستفاد من الآيات الماضية أمران:
الأوّل: انّ الحافز لأكثرهم أو لفئة منهم هو الاستيلاء على عرض الدنيا دون الآخرة كما يشير إليه سبحانه بقوله: (تريدون عرض الدنيا واللّه يريد الآخرة).[٢]
الثاني: لقد بلغ عملهم من الشناعة درجةً، بحيث استحقّوا مسَّ عذاب عظيم، غير أنّه سبحانه دفع عنهم العذاب لما سبق منه في الكتاب، قال سبحانه: (لولا كتاب مِنَ اللّه سَبَق لمسّكم فيما أخذتم) ـ أخذ الأسرى ـ (عذاب عظيم).
فقوله : (عذاب عظيم)يعرب عن عِظَم المعصية حتّى استحقُوا العذاب العظيم.
فإذا ضمّت الآياتُ بعضُها إلى بعض، نخرج بالنتيجة التالية:
١. انّ أكثر المسلمين في غزوة بدر تخاصموا في أمر الغنائم واستولوا عليها بلا استشارة من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا يحكي عن رغبتهم في الدنيا على نحو يجعلهم
[١] محمد:٤. [٢] الأنفال:٦٧.