رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٢٠
هذا هو نبي اللّه الكليم موسى بن عمران، قد تحمل العبء الكبير في هدايتهم وإنقاذهم من مخالب آل فرعون وعبر بهم البحر، فلمّا جاوزوه مالوا إلى الوثنية وطلبوا من موسى أن يجعل لهم إلهاً كما لهم آلهة، يقول سبحانه: (فأتَوْا على قَوْم يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنام لَهُمْ قَالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُون).[١]
فنسأل فضيلة الشيخ:
هل كان العيب في الإمام المربي؟ أم في الذين بذل جهده في تربيتهم ومدحهم وزكاهم وعلمهم؟
أم العيب في الناقد الطاعن؟!
وقد ابتلى الكليم بنفس تلك البلية في فترة أُخرى من فترات حياته، عندما ذهب إلى ميقات ربّه، ارتد قومه ولجأوا إلى الوثنية، وأخبره سبحانه بذلك وقال: (فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِىّ).[٢]
فنسأل فضيلة الشيخ ما هو سبب هذا النكوص والارتداد مع وجود المربي الكبير موسى بن عمران؟
هل كان العيب في الإمام المربي، أم في الذين بذل جهده في تربيتهم ومدحهم وزكاهم وعلمهم، أم العيب في الناقد الطاعن؟!
وهكذا سائر الأنبياء الذين لم يكن لهم نجاح باهر في دعوتهم ولم يلتف حولهم إلاّ القليل من المستضعفين، فجواب فضيلة الشيخ في حقّهم هو جوابنا في موقف نبينا الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم).
وبما انّ الشيخ يضع وزر هذه الفكرة على الشق الثالث ويعبّر عنه بقوله أم العيب في الناقد الطاعن؟ فنحن نلفت نظر الشيخ إلى أنّ الناقد الطاعن في أُمّة نوح والكليم هو اللّه سبحانه، فهل يرضى الشيخ بهذه النتيجة؟!
ولكن الإجابة الواضحة عن تلك الاستفسارات هو انّ العيب في موضع آخر وراء ما ذكره، و هو اختلاف قابليات نفس الأُمة وخصيصة تربية الجيل العظيم، فانّ الأساليب التربوية تقتضي بطبيعتها أن تؤمن به فئة دون فئة، ويصلح حال فئة دون فئة، وما سمعت أذن التاريخ انّ مصلحاً حمل رسالة إلى قومه ، وكُتب له النجاح التام ولم يتخلّف عن دعوته أحد من قومه.
لقد التف حول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من المهاجرين والأنصار والأعراب وغيرهم ما
[١] الأعراف:١٣٨. [٢] طه:٨٥.