رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٥٤
٣. الإطلاق فرع كون المتكلّم في مقام البيان
إذا وقع لفظ كلّي تحت دائرة الحكم ـ كما إذا قال: أعتق رقبة ـ يحكم الفقهاء بأنّ الموضوع مطلق، فلا فرق في مقام الامتثال بين كونها مؤمنة أو كافرة. فجعلوا دلالة المطلق على الاجتزاء بكلّ فرد منه، دلالة عقلية بمعنى أنّ الموضوع عند المشرّع هو ذات المطلق، فلو كان الموضوع مركباً من شيئين: المطلق و قيده، لزم أن يركّز عليه المشرّع، فسكوته دليل على عدم مدخليته.
لكن الركن الركين في جواز التمسّك بالمطلق ـ عند الإمامية ـ كون المتكلّم في مقام بيان للموضوع من جزء أو شرط ولولا إحرازه لم يتم التمسّك بالمطلق، وعلى هذا فلو قال: الغنم حلال، لا يصحّ التمسك بإطلاقه لإثبات حليّة مطلق الغنم (مملوكه ومغصوبه، الجلاّل وغيره،)وبحجّة انّ المتكلّم اتّخذ الغنم موضوعاً لحكمه وهو صادق على القسمين، ذلك لأنّ المتكلّم بصدد بيان حكم الغنم بما هوهو، لا بما إذا اقترن مع العوارض.
نرى أنّ بعض الفقهاء أفتوا بجواز أكل ما أمسكته كلاب الصيد دون وجوب أن يغسل مواضع عضّها، تمسّكاً بقوله سبحانه: (فكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ)[١] ولم يقل فكلوا بعد غسل مواضع العض.
ولكن التمسّك بإطلاق الآية غفلة عن الشرط اللازم للمطلق، أعني: كون المتكلّم في مقام البيان فليست الآية إلاّ بصدد بيان حلّية ما اصطادته الجوارح، وأنّه ليس من مقولة الميتة، وأمّا أنّه يؤكل بغير غسل، أو معه فليست الآية في مقام بيانه حتّى يستدلّ سكوته على عدم شرطيّته.
[١] المائدة:٤.