رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٢٧
تمهيد
كلّ إنسان يعرف بالفطرة أنّ الجمع بين الوجود والعدم أمر محال، وهذا ما يعبّر عنه الفلاسفة بـ«امتناع اجتماع النقيضين»، فافتراض كون شخص موجوداً في زمان ومكان خاصّين وفي الوقت نفسه كونه معدوماً فيهما يستحيله العقل السليم، ولذلك يقول الفلاسفة: إنّ أصحَّ الأقاويل وأصدق القضايا التي لا يشكّ فيها إنسان هو مسألة امتناع اجتماع الوجود والعدم والصحّة والبطلان في شيء واحد من جهة واحدة، إلى غير ذلك من الشرائط الثمانية التي ذكرها المنطقيّون في كتبهم.
ولكنّ السابر في غضون التاريخ والحديث يقف على تسليم المؤرّخين والمحدّثين بأُمور متناقضة ، وإيمانهم بالمتناقضين والركون إليهما. وهذا ما يحدونا إلى نقد التاريخ والحديث وقراءتهما من جديد، حتّى نأخذ بالنقي الصافي ونترك المشوب بالكدر.
ولعلّ القارئ الكريم يتصوّر ما ذكرناه دعوى بلا برهان، وأنّ النوازع النفسانية خمّرت تلك الفكرة في أذهاننا، وأنّ المحقّقين من المؤرّخين والمحدّثين قد بذلوا جهدهم في تمييز الصواب عن الخطأ والصحيح عن الزائف، فكيف يمكن أن يحدّثوا بالمتناقضين، ويؤمنوا بهما؟!