رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٩٦
وكفانا في البرهنة على ذلك مشاهدة المقاومة الإسلامية الّتي يقودها أبناء هذه التربة الطيبة، وما يبثّه منارها من روح الجهاد وعزم الكفاح.
نعم هذا العطاء الثرّ للعامليين في كلّ عصر وزمان، إنّما هو ثمرة اقتفائهم لفقهائهم وعلمائهم الواعين بالظروف والعارفين بمسؤولياتهم الملقاة على عاتقهم في كلّ زمان، قال الإمام الصادق(عليه السلام):«العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس».
وعلى رأس هؤلاء ومقدّمهم زعيم الإمامية و محقّقها ومروّج مذهبها في زمانه علي بن الحسين بن علي بن محمد بن عبد العالي الكركي العاملي المعروف بالمحقّق الكركي وبالمحقّق الثاني، ويقال له علي بن عبد العالي اختصاراً، المولود عام ٨٦٨هـ والمتوفّى ٩٤٠هـ.
وتدلّ آثاره وتآليفه ومواقفه السياسية والاجتماعية على أنّه كعبة العلم ومناره، ولجّة الفضل وتيّاره، عالم محقّق، وفاضل مضطلع، حاز قصب السبق في حلبات مختلفة، وما من علم من علوم الشريعة إلاّ وقد شرب من عذبه، وما من فن إلاّ خاض في أعماقه، فهو ذو همة قعساء تناطح السماء.
ففي مجال الكلام متكلم بارع له أفكاره وآراءه، وفي مجال الفقه متخصص قليل النظير بل مبتكر في قواعده وأُصوله، وفي مجال الدراية والرجال فارس حلبتهما ومرتكز لوائهما، وفي دور السياسة وقيادة الأُمّة قائد محنّك عارفٌ بزمانه وظروفه، فلا غرو إذا وصفناه بقول الشاعر:
هو البحر من أي النواحي أتيته *** فلجّته المعروف والجـود ساحله
كما لا عتب على اليراع إذا وقف عن تعريف شخصيته وتبيين مواقفه وتقييم آثاره.
إنّ الإلمام بحياة الشيخ الكركي بكافة جوانبها رهن كتاب مفرد، غير أنّا