رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٦١
واهتمّ المسلمون بنقل ما أُثر عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وتحرّوا في نقله الدقّة.
وكفى في مكانة الحديث قوله سبحانه: (وَ مَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى* إِنْ هُوَ إِلاّ وَحيٌ يُوحى)[١]. والآية وإن كانت ناظرة إلى الوحي القرآني لكن قوله : (وما ينطق عن الهوى) غير قابل للتخصيص، فهي بصدد وضع قاعدة كلية في كلّ ما يصدر منه ويصدق عليه أنّه ممّا نطق به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
فهذه الآية ونظائرها تبعث المسلمين إلى اقتفاء أثر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فيما يأمر و ما ينهى. يقول سبحانه: (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا).[٢]
فقوله: (ما نهاكم عنه) قرينة على أنّ المراد من قوله: (آتاكم)أي ما أمركم .
إنّ السنّة النبوية تارة تكون ناظرة إلى القرآن الكريم فتبيّن مجملاته كالزكاة والصلاة والصوم، أو تخصّص عموماته، أو تقيّد مطلقاته، وأُخرى تكون ناظرة إلى بيان العقيدة والشريعة فحسب، وفي كلا القسمين تكون الصياغة والتعبير للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ولكن المحتوى والمضمون وحي من اللّه سبحانه، ولذلك تُعدّ السنّة عِدلاً للقرآن الكريم، فالصلاة والزكاة والصوم والحجّ أُمور توقيفية لا تُعلم إلاّ من قبل سنّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فهو المبيّن لحقائقها وشروطها وموانعها، وقد صلّى وقال: «صلّوا كما رأيتموني أُصلي» وبذلك رفع الإجمال عن ماهية الصلاة المأمور بها، ومثلها في باب الزكاة والحجّ وغيرهما من أبواب الفقه، فإذا كانت هذه مكانة السنّة النبوية ومنزلتها العظيمة عند اللّه وعند المسلمين، كان اللازم صيانتها
[١] النجم:٣ـ٤. [٢] الحشر:٧.