رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٦٨
حجّتهم، بإرسال الرسل وأتم الحجّة عليهم به، مكان احتجاج العباد على اللّه إن لم يبعث الرسل. والآية خير دليل على أنّه لا يحتج عليهم إلاّ بالبيان الواصل، وإلاّ لاحتجّ العباد على اللّه سبحانه بأنّه أهمل بيان مقاصده وأغراضه بترك إرسال الرسل.
وليست الآية، هي الآية الفريدة في المقام بل تعزّزها آيات أُخرى يشهد الكلّ على أنّ الاحتجاج لا يتمّ إلاّ ببيان واصل، لا بالشكّ في التكليف، يقول سبحانه: (وَلَوْ أَنّا أَهْلَكْناهُم بِعَذاب مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى)[١] ، فالآية كنظيرتها، صريحة في أنّ احتجاجه سبحانه على العباد، أو احتجاجهم عليه، يدور مدار البيان الواصل وعدمه، فلو صدر البيان من المولى، لصحّ الاحتجاج على العباد، وإلاّ لصحّ العكس، واللّه سبحانه لإيصاد باب احتجاجهم عليه، بعث الأنبياء مبشرين ومنذرين ليكون للّه سبحانه عليهم الحجّة، دون أن يكون لهم الحجّة عليه.
٣. انّ سبحانه يتبرّأ في كثير من آياته من التعذيب قبل البيان، ويراه أمراً غير ممكن أو غير لائق بشأنه تعالى وما هذا إلاّ لقبحه ويقول:
(وَمَا كُنّا مُعَذّبينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً).[٢]
(ما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمّها رَسُولاً).[٣]
إنّ«كان» الناقصة إذا استعملت مع «ما» النافية يراد بها أحد المعنيين:
[١] طه:١٣٤. [٢] الإسراء:١٥. [٣] القصص:٥٩.