رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢١٩
الأوّل: المفاهمة على أساس القطع بالمراد
لا شكّ أنّ المفاهمة بين الناس في أصعدة الحياة المختلفة على أساس القطع واليقين بمراد المتكلّم، فعندما يخاطب الزوجُ الزوجةَ والوالدُ الولدَ والمعلمُ المتعلّمَ والسوقيُ البائع المشتريَ والموظف من راجعه، فلا يتردّد المخاطب في مقاصد المتكلّم، وليس كلّ كلام يُلقى في هذه الأصعدة نصّاً اصطلاحياً وإنّما الغالب هو ما يسمّيه الأُصوليون بالظواهر، وإلاّ فلو كانت دلالة الجمل في الحياة العامة للإنسان ظنية، لانهارت الحياة وامتنع التفاهم.
إنّ الأساتذة في الجامعات، والمدرسين في الثانويات، يربّون جيلاً كبيراً بالظواهر التي زعم الرازي وغيره أنّها ظنيّة الدلالة باحتمال تطرق أحد أُمور عشرة مع أنّا نرى أنّ هذه الاحتمالات لا تنقدح في ذهن تلاميذهم، بل يتلقّون كلامهم وجملهم قاطعة الدلالة واضحة المراد.
وممّا يرشد إلى ذلك أنّه سبحانه يصف الإنسان بقوله: (الرّحمن * خلق الإنسان *علّمه البيان)فالإنسان بكلامه يبين مراده بالنص والظاهر معاً فالقدح في دلالة الظواهر على المعاني كأنّه قدح في أبرز صفات الإنسان التي أشار إليها اللّه سبحانه في الآية المتقدّمة.
نعم دفع الأُصوليون الاحتمالات التي ذكرها الرازي والإيجي والجرجاني ومن تقدّم عليهم أو تأخّر عنهم بأُصول عقلائية اختراعية، كدفع احتمال المجاز بأصالة الحقيقة، ودفع احتمال النقل والإضمار بأصالة عدمهما،إلى غير ذلك من الأُصول اللفظية التي دفعوا بها تلك الاحتمالات الطارئة على الذهن.
ولكنّك خبير بأنّ المفاهمة تتحقّق بين الناس مع الغفلة عن هذه الأُصول،