رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٢٠
العقل، فهكذا المورد فلو حكم بأنّ العقاب بلا بيان قبيح، فليس معناه: أنّه يحكم على اللّه سبحانه بأن لا يُعذّب الجاهلَ غير المقصّر، بل المراد: أنّ العقل من خلال التدبّر في صفاته سبحانه ـ أعني: العدل والحكمة ـ يستكشف أنّ لازم ذينك الوصفين الثابتين للّه سبحانه، هو عدم عقاب الجاهل.
وكنّا نسمع من روّاد منهج التفكيك بين العقل والشرع أنّ روّاد الفلسفة يحتّمون على اللّه أن يحكم بالوجوب واللزوم و... وأنّ عمل الفيلسوف هو الحكم على اللّه، غافلين عن أنّ عمله هو الاستكشاف، فلو قال: «واجب الوجود بالذات واجب من جميع الجهات» إنّما يخبر عن تلك الحقيقة بالبرهان الّذي أرشده إليها، فيستنتج من ذلك أنّه سبحانه واجب في علمه وقدرته كما أنّه واجب في فعله وخلقه.
وليس الإشكال أمراً جديداً فقد سبقهم الرازي وقال: لا يجب على اللّه تعالى شيء عندنا ـ خلافاً للمعتزلة ـ فانّهم يوجبون اللطف والعوض والثواب. والبغداديّون خاصّة يوجبون العقاب، ويوجبون الأصلح في الدنيا.
بين الإيجاب المولوي والإيجاب الاستكشافي
لا شكّ أنّه ليس لأحد أن يكلّف اللّه سبحانه بشيء ويحكم عليه باللزوم والوجوب، لأنّه سبحانه فوق كلّ مكلّف، ولا فوقه أحد، ومع ذلك كلّه فربما يأتي في كلام المتكلّمين بأنّه يجب على اللّه سبحانه أن لا يعذّب البريء. غير أنّ أهل الحديث واتباع السلفية لم يفرّقوا بين الإيجاب المولوي والإيجاب الاستكشافي، فالذي هو باطل لا يتفوّه به أيّ إنسان موحّد، هو الإيجاب المولوي، فإنّه سبحانه مولى الجميع والناس عباد له، وأمّا الايجاب الاستكشافي بمعنى أنّ العقل