رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٦٧
وفي حديث أبي هريرة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: لا أعرفنّ ما يحدَّث أحدكم عنّي الحديث وهو متكئ على أريكته فيقول: اقرأ قرآناً. ما قيل من قول حسن فأنا قلته.[١]
ونحن نرى مصاديق ذلك التنبّؤ في حياة الخليفة ـ غير ما مرّ عليك في عهد النبي ـ فهذا هو قرظة بن كعب يحدّث قائلاً: بعثنا عمر بن الخطاب إلى الكوفة وشيّعنا فمشى معنا إلى موضع يقال له صِرار، فقال: أتدرون لم مشيت معكم؟ قال: قلنا: لحقّ صحبة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ولحقّ الأنصار. قال: لكنّي مشيت معكم لحديث أردت أن أُحدِّثكم به، فأردت أن تحفظوه لممشاي معكم، إنّكم تقدمون على قوم للقرآن في صدورهم هزيز كهزيز المِرْجل. فإذا رأوكم مدّوا إليكم أعناقهم وقالوا: أصحاب محمد. فأقِلُّوا الرواية عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ أنا شريككم.[٢]
ثمّ إنّ الخليفة قد تمادى كثيراً في منع نشر الحديث وكتابته، وكان المنع عن التحدث بحديث رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)هي الفكرة التي خامرت ذهنه قبيل وفاة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكي يعطيها صبغة قانونية استشار في ذلك جمعاً من صحابة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
يقول عروة بن الزبير : إنّ عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن، فاستشار في ذلك أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير اللّه فيها شهراً، ثمّ أصبح يوماً وقد عزم اللّه له، فقال: إنّي كنت أردت أن أكتب السنن; وإنّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً، فأكبّوا عليها، وتركوا كتاب اللّه تعالى، وإنّي
[١] سنن أبي داود:١/٩، ح٢١; كنز العمال:١/١٧٣، برقم ٨٧٨. [٢] سنن ابن ماجة:١/١٢، ح ٢٨.