رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٥٩
الأوّل: منصب الإفتاء: فإنّ الأحكام الشرعية لما كانت أمراً نظرياً لا يتمكن كلّ أحد من معرفتها، عمد الإسلام إلى إرجاع نظام الإفتاء إلى فقيه عالم بشرائع دينه، وهذا هو الّذي يطلق عليه في اصطلاح المتشرعة بـ«المفتي» ليكون مرجعاً لأخذ الأحكام.
الثاني: القضاء: فإنّ من مقتضى القوى والغرائز النفسانيّة والطبيعيّة التوجّه إلى المنافع، والتباعد عن المضارّ، وهو بدوره يوجب نزاعاً على المنافع الّذي قد ينجرّ إلى الحروب، فلدفع هذه المفسدة ترك أمر القضاء إلى الفقيه الجامع للشرائط.
الثالث: الحكومة: فإنّ من أهمّ ما يحتاج إليه البشر في حفظ نواميسه، ونفوسه واجتماع أمره; وجود قائد بينهم يجب على الجميع إطاعة قوله واتّباع فعله، وهو الّذي يعبّر عنه في لسان الشرع والمتشرعة بالحاكم والسائس.
فالأوّلان من هذه المناصب الثلاثة ثابتان للفقيه باتّفاق الكلمة، وأمّا الولاية والحكومة ـ أعني القيام بنظم البلاد والدعوة إلى الجهاد والدفاع وسدّ الثغور وإجراء الحدود وجباية الزكاة وإقامة الجمعة إلى غير ذلك ـ فهي في نظر مشاهير الفقهاء ثابتة للفقيه الجامع للشرائط، غير أنّه ينهض بممارسة ذلك المنصب بأحد وجهين:
أ. تارة يقوم بتشكيل الحكومة فيجب على الناس إطاعته.
ب. إذا نهض الناس بتشكيل الحكومة تحت الضوابط الإسلامية فللفقيه العادل أن يراقب سلوك الحكومة وتصرفاتها فيصحّح سيرتها إذا انحرفت ويُعدِّل سلوكها إذا شذ.
إنّ الفقيه بحكم مسؤوليّته تجاه الإسلام والمسلمين يتحرّى في جميع الظروف مصالح الأُمّة، فإذا كانت الحكومة الّتي أقامتها الأُمّة الإسلامية موافقةً للمعايير