رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٦٦
وممّا لا شكّ فيه أنّ مناطق خاصة ـ لأجل ظروف توفرت فيها ـ صارت مهداً لنضوج المسائل الفلسفية حتّى توالت فيها تيارات فكرية مختلفة، فمن صينية إلى إغريقية، ومن هندوسية إلى فهلوية، إلى غير ذلك من المشارب والمسالك.
لم يزل تاريخ الثقافة البشرية يحتفل برجال كبار من فلاسفة و علماء، وكلتا الطائفتين تشتركان في بذل الجهود لفهم أسرار الكون وحلّ مشاكله غير أنّ هناك فارقاً واضحاً بينهما، وهو أنّ الفيلسوف يجعل الوجود محوراً لبحثه من دون أن يخصص دراسته بموضوع دون موضوع، بخلاف الآخر فإنّه يأخذ جزءاً من الكون للبحث والتحليل. مثلاً انّ الأوّل يبحث عن النظام السائد على صحيفة الوجود، سواء أكان مجرداً أم مادياً، عرضاً أم جوهراً، وبكلمة جامعة يتخذ الوجود موضوعاً ... والآخر يبذل جهوده لتحليل جزء من الكون دون جميعه، فالعدد هو مصب اهتمام الرياضي كما أنّ النجوم والكواكب هي ساحة عمل الفلكي إلى غير ذلك من العلوم.
وبذلك ظهر الفرق بين الفلسفة والعلم، وإن أردت مزيد توضيح فنقول: الفلسفة تتّخذ الوجود المطلق موضوعاً للبحث، فتبحث عن تعييناته ككونه واجباً أو ممكناً مجرداً أو مادياً، عرضاً أو جوهراً، كماً أو كيفاً، واحداً أو كثيراً، حادثاً أو قديماً، علّة أو معلولاً، كلياً أو جزئياً، هذا هو شأن الفلسفة; وأمّا العلم فهو يبحث عن أحكام موضوعات خاصة والتي كانت محمولات في تقسيم الوجود.
ولذلك عرّفوا الفلسفة بتعاريف، كلّها ترمي إلى هدف واحد:
١. خروج النفس إلى كمالها في جانبي العلم والعمل.
٢. العلم بأحوال أعيان الموجودات على ما هي عليه في نفس الأمر بقدر