رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٧٢
القرآن لبلاغته وفصاحته يصل إلى حد يتميز عن كلّ كلام بشري، سواء أكان كلام النبي أم غيره، فلا يحصل الاختلاط حتّى لو كتبا في صفحة واحدة.
إنّ هذا العذر ـ كما مرّ ـ أقبح من نفس العمل فإنّه يحطّ من مكانة القرآن وإعجازه ويهبط به إلى درجة ربّما يشتبه فيها غير القرآن بالقرآن لدى العرب الأقحاح!!
٢. الاشتغال بغير القرآن
هذا هو الوجه الثاني لتبرير منع الخليفة من كتابة الحديث، وحاصله: انّ تجويز كتابة الحديث كان يلازم ترك كتاب اللّه العزيز ، والشاهد عليه ما رواه عروة ابن الزبير قال: أراد عمر أن يكتب السنن، فاستخار اللّه تعالى شهراً، ثمّ أصبح وقد عُزم له، فقال:
«ذكرت قوماً كتبوا كتاباً، فأقبلوا عليه، وتركوا كتاب اللّه عزّ وجلّ».[١]
وسيوافيك أنّ هذا هو السبب الذي حدا بعبد اللّه بن مسعود إلى أن يدعو بالطست والماء، لمحو الأحاديث المكتوبة في الصحيفة، قائلاً بأنّ هذه القلوب أوعية فأشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بغيره.[٢]
يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ ذلك لوجب ترك تحصيل العلم في عامة المجالات من غير فرق بين العلوم الكونية والنفسية والاجتماعية، لأنّ كلّ ذلك يوجب الاشتغال بغير القرآن.
ثمّ إنّ عطف سائر الكتب على الحديث وجعلهما على درجة واحدة جرأة
[١] تقييد العلم:٤٩. [٢] تقييد العلم:٥٣ـ ٥٤.