رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٦٥
بِالعَدِْل...ـ إلى أن يقول: ـ ولا تسأمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أو كَبِيراً إلى أَجَلِهِ).[١]
فإذا كان هذا حال الدَّيْن الذي هو متاع الدنيا الزائل، فما بال حديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي هو عِدْل القرآن وحجته سبحانه على الناس إلى يوم القيامة مع أنّه في مظنة النسيان والتحريف والزيادة والنقيصة فكتابته أوجب بكثير من كتابة الدّين.
يقول الخطيب البغدادي في هذا الصدد: فلمّا أمر اللّه تعالى بكتابة الدَّيْن حفظاً له، واحتياطاً عليه وإشفاقاً من دخول الريب فيه، كان العلم الذي حفظه أصعب من حفظ الدَّيْن، أحرى أن تباح كتابته خوفاً من دخول الريب والشكّ فيه. بل كتاب العلم في هذا الزمان مع طول الاسناد واختلاف أسباب الرواية، أحجّ من الحفظ، ألا ترى أنّ اللّه عزوجل جعل كتب الشهادة فيما يتعاطاه الناس من الحقوق بينهم، عوناً عند الجحود، وتذكرة عند النسيان ، وجعل في عدمها عند المموّهين بها أوكد الحجج ببطلان ما ادّعوه فيها، فمن ذلك أنّ المشركين لما ادّعوا بهتاً اتّخاذ اللّه سبحانه بنات من الملائكة أمر اللّه نبينا(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقول لهم: (فأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقين)[٢]
أقول: إنّه سبحانه افتتح آي قرآنه بالأمر بالقراءة مبيّناً أهمية القلم في التعليم والتعلم حيث قال عزّ من قائل: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ *خَلَقَ الإِنْسانَ مِنْ عَلَق* اقْرأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَم* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ).[٣]
بل عظّم سبحانه القلم والكتابة تعظيماً، حتّى جعلها بمرتبة استحقاق
[١] البقرة:٢٨٢. [٢] تقييد العلم:٧١. [٣] العلق:١ـ٤.