رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦١٤
الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالعاقِبَةُ لِلْمُتَّقين).[١]
يقول ابن كثير في تفسير الآية: يخبر تعالى انّ الدار الآخرة ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين الذين لا يريدون علوّاً في الأرض، أي ترفّعاً على خلق اللّه، وتعاظماً عليهم، وتجبراً بهم، ولا فساداً عليهم.[٢]
ولعلّ ما أخرجه مسلم في صحيحه يهدف إلى بيان حال هذه الطبقة حيث روى عن عبد اللّه بن مسعود أنّه قال: حدّثنا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)وهو الصادق المصدوق: «انّ أحدكم يجمع خلقه في بطن أُمّه أربعين يوماً، ثمّ يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثمّ يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثمّ يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره انّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتّى ما يكون بينه و بينها إلاّ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وانّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتّى ما يكون بينه و بينها إلاّ ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنّة فيدخلها».[٣]
وقال الإمام النووي عند شرحه لهذا الحديث: ويدخل في هذا من انقلب إلى عمل النار بكفر أو معصية، لكن يختلفان في التخليد وعدمه، فالكافر يخلّد في النار والعامي الذي مات موحداً لا يخلّد فيها، وفي هذا الحديث تصريح بإثبات القدر و انّ التوبة تهدم الذنوب قبلها، وانّ من مات على شيء حكم له به من خير
[١] القصص:٨٣. [٢] تفسير ابن كثير:٥/٣٠٣. [٣] صحيح مسلم:٨/٤٤، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أُمّه من كتاب القدر.