رسائل ومقالات - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٥٤
ولكنّه غفلة عن أنّ الخطاب وإن كان متوجّهاً إليهم، لكن المقصود الإنسان كلّه، والآية إشارة إلى قانون اللطف، أعني: اللطف التكويني الداعي إلى الطاعة والاجتناب عن المعصية، وهذا النوع من اللطف يشمل حال كلّ إنسان، فإنّ الجميع مفطورون على حب الإيمان والطهارة والتقوى، والبراءة من الكفر والذنب من غير فرق بين الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم البعث.
وبعبارة أُخرى: الميل إلى الإيمان والانزجار عن الكفر، من خصائص طبيعة الإنسان مالم تتلوث بعوامل قاهرة، تغطّي الفطرة الإنسانية، بأهوائها كالبيت الذي نشأ فيه وبيئة التعليم وغيرهما من العوامل المفسدة.
فمفاد الآية كمفاد قوله سبحانه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنيفاً فِطرتَ اللّه الّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّهِ ذلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلكنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُون).[١]
ففي هذه الآية لم تجعل مسألة«معرفة اللّه والإيمان به» فقط أمراً فطرياً، بل وصف الدين بأُصوله( الأُصول والكليات التي تؤلّف أساس الدين الإلهي) بكونه فطرياً جبلياً.
ويشهد الواقع على ذلك إذ نرى أنّ أُصول التعاليم التي جاء بها الدين من عقيدة وعمل، تنطبق على مجموع الاحتياجات الفطرية سواء بسواء. والإمعان في الآية المذكورة يفيدنا أنّ الدين عجن بفطرة البشر عجناً، فإذا هو منها وإذا هي منه، وجزءمن كيانه. وما يعنى من الدين سوى حب الإيمان وكراهة الكفر والفسق والعصيان.
[١] الروم:٣٠.